وعليّ . أمّا البعد الرابع فعمق علمه وعلم أبيه وجدّه .
في هذا المجلس المهيب بالمدينة أو بالكوفة يجلس رجل ربعة .
ليس بالطويل ولا بالقصير . أزهر له لمعان كالسراج . يسعى نوره بين يديه .
رقيق البشرة ، أسود الشعر جعده ، أشمّ الأنف . أنزع قد انحسر الشعر عن جبينه فبدا مزهراً ، له إشراق ، وعلى خدّه خال أسود .
المُسْلِمُونَ أيَامَئذٍ أحْوَجُ إلَيْهِ لِيُعَلِّمَهُمْ ، مِنْهُمْ إلَيْهِ لِيَحْكُمَهُمْ .
كلّ ما يحيط به يوحي بالرجاء في فضل الله . فلمّا طعن في السِّنِّ زاد جلالًا وسناءً وإحياءً للأمل . يلبس الملابس التي عناها جدّه عليه الصلاة والسلام حينما قال : كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالبَسُوا في غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ !
حوار الإمام الصادق عليه السلام مع المتصوّفة حول الزهد الحقيقيّ
رآه سفيان الثوريّ وعليه جبّة خزّ دكناء ، فقال : يا بن رسول الله ما هذا لباسُك ! فقال : يا ثَوْريّ ! لبسنا هذا لكم . ثمّ كشف عن جبّة صوفٍ يلبسها ، وقال : ولبسنا هذا للّه .
كان جدّه عليّ يختار الخشن من الألبسة ويلحّ الجوع عليه فيعلّل معدته بقرص شعير . يخيط نعله إن لم يكن مشغولًا ، أو يتركه لم يخيطه بأجر إذا انشغل ، لكن الزمان يتغيّر فيغيّر الصادق ليظهر أثر النعمة . ويقول للناس :
إذَا أنْعَمَ اللهُ على عَبْدِهِ بِنَعْمَةٍ أحَبَّ أنْ يَرَاهَا عَلَيْهِ . لأنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ .
ويقول : إن اللهَ يُحِبُّ الجَمَالَ وَالتَّجَمُّلَ ، وَيَكْرَهُ البُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ .
والنظافة من الإيمان . فيها الكرامة والسلامة للنفس وللُاسرة وللمدينة . فعلى المرء كما يقول الإمام :
أنْ يُنَظِّفَ ثَوْبَهُ وَيُطَيِّبَ رِيحَهُ ، وَيُجَصِّصَ دَارَهُ ، وَيَكْنِسَ أفْنِيَتَهُ .
وذات يوم رآه عبّاد بن كثير البصريّ في الطواف فقال له :