فإنّما تقاسم الإمبراطور والكنيسة الأشياء في القرن التاسع للميلاد ، فصار لقيصر ملك الأرض وللكنيسة مملكة السماء . أمّا أبو جعفر المنصور فادّعى في الأرض سلطان السماء . وأيّ شيءٍ يُستبعَد على صاحب هذه الدعوى ؟ !
وأبو جعفر - مع ذلك - ليس إلّا واحد من المستبدّين الذين يزخر سِجلّ التأريخ بخطاياهم أو ضحاياهم . إليك مثلًا واحداً من تأريخ الدولة التي تلقي إليها الديمقراطيّة الغربيّة مقاليدها .
لقد أرسل هنري الأوّل ملك إنجلترا فرسانه يقتلون توماس بيكت رئيس أساقفة لندن من أجل خلافه معه في ولاية العهد لابنه في الثلث الأخير من القرن الثاني عشر .
وفي الثلث الأوّل من القرن السادس عشر بعث هنري ملك إنجلترا توماس ولزي رئيس أساقفة يورك إلى السجن ريثما يصدر عليه حكم الإعدام ، فمات قبل أن يعدم . ثمّ أرسل إلى المقصلة توماس مور قضاته من أجل خلافهما له في زواجه وطلاقه .
ولقد كان فزع المنصور من أجل دولته حريّاً أن يخرجه عن الاتّزان فيستحوذ عليه الشيطان لولا إمساك الإمام الصادق بالأعنّة كلّها كلّما لقيه ، فكان يضعه في موضع النصفة .
والذين يهابون لقاء الملوك ضعفاء عن إخفاء دخائلهم من البغض أو الحسد أو الخوف . والذين ليس في قلوبهم من ذلك شيء يشجّعون . أمّا الأئمّة عليهم السلام فالله معهم ، وهو حسبهم . وأين من هذا الذي معه مالك الأرض والسماء ، ملوك دولة أو إقليم ؟ !
من أجل ذلك يشجّع الرجال الصدق إذ يستشهدون . ومن أجله نظر الصادق إلى أبي جعفر في شجاعة وصدق . فكان يلزمه القصد والنصفة .
معرفة الإمام — صفحة 296
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢٩٦