عليه السلام بغتة على الرغم من عدم رغبتهم في ذلك ، وقال : لا تصحّ هذه البيعة ، لأنّ محمّداً ليس مهدي آل محمّد . وإن محمّداً وإبراهيم سيقتلان بِيَدِ صاحب القباء الأصفر ( المنصور أبي الدوانيق ) ، وهو الذي سيقبض على الخلافة .
وبعد مضي أيّام سافر عبد الله السفّاح مع أهل بيته من المدينة إلى الكوفة خفية ، وخطّط للخلافة مع أبي سلمة الخلّال . وحين بويع استوزره فاشتهر بوزير آل محمّد . لكنّه قُتل بعد أربعة أشهر ، والذي قتله هو أبو مسلم .
قال المحدِّث القمّيّ ( ما تعريبه ) : استوزر السفّاح أبا سلمة حفص الخلّال ، فدُعي وزير آل محمّد . وهو أوّل مَن وزر في الدولة العبّاسيّة . ثمّ همّ أبو مسلم بقتله ، وكان ينتهز الفرصة حتى خرج ذات ليلة من عند السفّاح قاصداً منزله ، فهجم عليه أصحاب أبي مسلم وسفكوا دمه . وكان قتله بعد أربعة أشهر مرّت على حكومة السفّاح . ولمّا كانت الدولة العبّاسيّة قد قامت بجهود أبي مسلم ، لذلك لم يمسّه السفّاح بأذى ، بل كان يحترمه .
وظلّ أبو مسلم حتى إذا هلك السفّاح ، وجلس المنصور مجلسه أمر بقتله في رومية المدائن يوم الخامس والعشرين من شعبان سنة 137 ه - . وكان معروفاً بالحزم والبطش والغيرة ، وكان سفّاكاً للدماء حتى احصي عدد المقتولين بيده صبراً فكانوا ستمائة ألف . « 1 »
هامش
( 1 ) - « تتمّة المنتهى في وقائع الخلفاء » ص 156 و 157 ، الطبعة الثالثة . وقال في الهامش : كان أبو مسلم يقول : مثلي مع العبّاسيّين مثل رجل من الصالحين رأى عظام أسد ، فدعا الله تعالى فأحياه . ولمّا حيي ، قال له : لك عليّ حقّ عظيم ، لكن المصلحة تقتضي أن أقتلك . إذ إنّك مستجاب الدعوة ! فلعلّك تدعو الله تعالى مرّة أخرى فيُميتني ، أو يخلق أسداً أقوى منّي فيكون سبباً لضرري ، فمصلحتي تستوجب قتلك . وهكذا العبّاسيّون فإنّهم حين استقووا بي رأوا من مصلحتهم أن يقتلوني . وجملة القول أنّه قد حدث ما قال .
واستشار أبو جعفر المنصور أحد العقلاء في قتله . فقال له : لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا ( الآية 22 ، من السورة 21 : الأنبياء ) فصلاحك في قتله . وربّما أراد المنصور قتله ، فقال له أبو مسلم : أبقني لأعدائك ، فقال : أيّ عدوٍّ لي أكبر منك ؟ ! ولمّا قُتل أبو مسلم استقرّ الحكم للعبّاسيّين . وعن « ربيع الأبرار » للزمخشريّ قال : كان أبو مسلم يقول في عرفات : اللهمّ أنّي تائبٌ إليك ممّا لا أظنّك تغفره لي ! فقيل له :
أيعظم على الله غفران ذنبٍ ؟ فقال : أنّي نسجتُ ثوبَ ظلمٍ لا يبلي ما دامت الدولة لبني العبّاس . فكم مِن صارخةٍ تلعنني عند تفاقم الظلم ! فكيف يُغفر لمن هذا الخلق خضماؤه ؟ ! ( ج 3 ، ص 497 ، تحقيق د . سليم النعيميّ ، دار الذخائر ، قم ، 1410 ه - ) .