المُصْطَفَيْنَ إلى يَوْمِ الحَشْرِ !
فالتفت المنصور إلى جلسائه ، فقال : هَذَا قَدْ أحَالَني على بَحْرٍ مَوَّاجٍ لَا يُدْرَكُ طَرَفُهُ ، وَلَا يُبْلَغُ عُمْقُهُ ، تُحَارُ فِيهِ العُلَمَاءُ ، وَيَغْرَقُ فِيهِ السُّبَحَاءُ ، وَيَضِيقُ بِالسَّابِحِ عَرْضُ الفَضَاءِ ، هَذَا الشَّجَي المُعْتَرِضُ في حُلُوقِ الخُلَفَاءِ ، الذي لَا يَجُوزُ نَفْيُهُ ، وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُ .
وَلَوْ لا مَا يَجْمَعُنِي وَإيَّاهُ شَجَرَةٌ طَابَ أصْلُهَا ، وَبَسَقَ فَرْعُهَا ، وَعَذُبَ ثَمَرُهَا ، وَبُورِكَتْ في الذَّرِّ ، وَقُدِّسَتْ في الزُّبُرِ ، لَكَانَ مِنِّي إلَيْهِ مَا لَا يُحْمَدُ في العَوَاقِبِ ، لِمَا يَبْلُغُنِي عَنْهُ مِنْ شِدَّةِ غَيْبِهِ لَنَا ، وَسُوءٍ القَوْلِ فِينَا .
فقال الصادق عليه السلام : لَا تَقْبَلْ في ذِي رَحِمِكَ وَأهْلِ الرِّعَايَةِ مِنْ أهْل بَيْتِكَ قَوْلَ مَنْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ، وَجَعَلَ مَأوَاهُ النَّارَ . فَإنَّ النَّمَّامَ شَاهِدُ زُورٍ ، وَشَرِيكُ إبْلِيسُ في الإغْرَاءِ بَيْنَ النَّاسِ . فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى :
« يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ( وتثبّتوا عند العمل بمقتضاه ) أن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ » . « 1 »
وَنَحْنُ لَكَ أنْصَارٌ وَأعْوَانٌ ، وَلِمُلْكِكَ دَعَائِمُ وَأرْكَانٌ مَا أمَرْتَ بِالْمَعْرُوفِ وَالإحْسَانِ ، وَأمْضَيْتَ في الرَّعِيَّةِ أحْكَامَ القُرْآنِ ، وَأرْغَمْتَ بِطَاعَتِكَ لِلَّهِ أنْفَ الشَّيْطَانِ ، وَإن كَانَ يَجِبُ عَلَيْكَ في سَعَةِ فَهْمِكَ وَكَثْرَةِ عِلْمِكَ وَمَعْرِفَتِكَ بِآدَابِ اللهِ أنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ ! فَإنَّ المُكَافِئَ لَيْسَ بِالوَاصِلِ . إنَّمَا الوَاصِلُ مَنْ إ ذَا قَطَعْتَهُ رَحِمُهُ وَصَلَهَا . فَصِلْ رَحِمَكَ يَزِدِ اللهُ في عُمْرِكَ ، وَيُخَفِّفْ عَنْكَ الحِسَابَ يَوْمَ حَشْرِكَ !
فقال المنصور : قد صفحتُ عنك لقدرك ، وتجاوزتُ عنك لصدقك .
هامش
( 1 ) - الآية 6 ، من السورة 49 : الحجرات .