فحدّثني عن نفسك بحديثٍ أتّعظ به ، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات !
فقال الصادق عليه السلام : عَلَيْكَ بِالحِلْمِ ، فَإنَّهُ رُكْنُ العِلْمِ ، وَامْلِكْ نَفْسَكَ عِنْدَ أسْبَابِ القُدْرَةِ ! فَإنَّكَ إن تَفْعَلْ مَا تَقْدِرُ عَلَيْهِ كُنْتَ كَمَنْ شُفِيَ غَيْظاً ، أوْ تَدَاوَى حِقْداً ، أوْ يُحِبُّ أنْ يُذْكَرَ بِالصَّوْلَةِ . وَاعْلَمْ بِأنَّكَ إن عَاقَبْتَ مُسْتَحِقّاً لَمْ تَكُنْ غَايَةُ مَا تُوصَفُ بِهِ إلَّا العَدْلَ ، وَالحَالُ التي تُوجِبُ الشُّكْرَ أفْضَلُ مِنَ الحَالِ التي تُوجِبُ الصَّبْرَ . ( أي : يشكرك الناس عند العفو والصفح عنهم ، ويصبرون مرغمين عند العقوبة والبطش ) .
فقال المنصور : وعظتَ فأحسنتَ ، وقلتَ فأوجزتَ ! فحدّثني عن فضل جدِّك علي بن أبي طالب عليه السلام حديثاً لم تأثره العامّة .
فقال الصادق عليه السلام : حدّثني أبي ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : لَمَّا اسْرِيَ بِي إلى السَّمَاءِ عَهِدَ إلي رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ في عَلِيّ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ : يَا محَمَّدُ ! فَقُلْتُ : لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ !
فَقَالَ : عَزَّ وَجَلَّ : إن عَلِيّاً إمَامُ المُتَّقِينَ ، وَقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ ، وَيَعْسُوبُ المُؤْمِنِينَ ، فَبَشِّرْهُ بِذَلِكَ ! فَبَشَّرَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ بِذَلِكَ . فَخَرَّ عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَاجِداً شُكْراً لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ .
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ بَلَغَ مِنْ قَدْرِي حتى أنّي اذْكَرُ هُنَاكَ ؟ !
قَالَ : نَعَمْ ، وَإن اللهَ يَعْرِفُكَ وَإنَّكَ لَتُذْكَرُ في الرَّفِيقِ الأعْلَى .
فقال المنصور : ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ . « 1 »
موقف الإمام الحكيم من المنصور
إذا أنعمنا النظر في هذه الرواية فإنّ مطالب مهمّة تستبين لنا :
هامش
( 1 ) - « الأمالي » للشيخ الصدوق ، ص 611 ؛ و « بحار الأنوار » ج 47 ، ص 167 إلى 169 .