كامل العقل ، جيّد المشاركة في العلم والأدب ، فقيه النفس . قتل خلقاً كثيراً حتى استقام ملكه . وهو الذي ضرب أبا حنيفة على القضاء ، ثمّ سجنه ، فمات بعد أيّام . وقيل : إنّه قتله بالسمّ لكونه أفتى بالخروج عليه .
وكان فصيحاً بليغاً مفوَّهاً خليقاً للإمارة . وكان غاية في الحرص والبخل ، فلقِّب « أبا الدوانيق » لمحاسبته العمّال والصنّاع على الدوانيق والحبّات .
امّه سلامة البربريّة امّ ولد . وفي سنة ثمان وثلاثين ومائة كان دخول عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان الامويّ إلى الأندلس . واستولى عليها وامتدّت أيّامه . وبقيت الأندلس في يد أولاده إلى بعد الأربعمائة . وكان عبد الرحمن هذا من أهل العلم والعدل ، وأمّه بربريّة .
قال أبو المظفّر الأبيورديّ : فكانوا يقولون : ملك الدنيا ابنا بربريتَين :
المنصور وعبد الرحمن بن معاوية . « 1 »
المنصور أوّل مثير للخلاف بين العبّاسيّين والعلويّين
وكان العلويّون والعبّاسيّون حتى عصر المنصور متّفقين على رأي واحد ، وكانوا يتعاونون لحلّ المشاكل . ويواصلون طريقهم جميعاً بوصفهم أرحام رسول الله . وكان عدوّهم الوحيد وخصمهم المعارض هم بني اميّة الذين شكّلوا جبهة مناوئة لبني هاشم مارست ضدّهم الحرب والجدال والأسر والنهب والقتل وسائر الأعمال العدائيّة . أمّا المنصور فقد مزّق أوصال هذا الاتّحاد ، ولم يأل جهداً في التفريق بينهما . فانكسر العلويّون وغُلبوا على أمرهم بعد ذلك . وصارت القدرة والسلطة والشوكة للعبّاسيّين .
وظلّ الخلاف بينهما متأجّجاً على امتداد خمسمائة سنة من الحكم العبّاسيّ .
ويعود هذا إلى ما كان يحمله المنصور من روح استكباريّة فرعونية جبروتيّة فحسب . ويُلحَظُ في التأريخ أنّه هو الذي سنّ هذا الخلاف ووضع
هامش
( 1 ) - « تاريخ الخلفاء » ص 259 و 260 ، الطبعة الرابعة .