السلام قد أحرقت ، وأمواله قد سُلبت ، وختمت حياته شهيداً بالسمّ . « 1 »
كلام مترجم كتاب « مغز متفكّر جهان شيعة » حول المذهب الجعفريّ
هامش
( 1 ) - نقرأ في كتاب « مغز متفكّر جهان شيعه » ( / العقل المفكّر في العالم الشيعيّ ) الذي يتناول عجائب وغرائب علوم الإمام جعفر الصادق عليه السلام ، التي جمعها خمسة وعشرون من أعلام مركز الدراسات الإسلاميّة في استراسبورغ أنّ المترجم المحترم سأل في صدر الكتاب : لما ذا يُسمّى المذهب الشيعيّ المذهب الجعفريّ ؟ ثمّ أجاب مفصّلًا فقال : أنا رجل مسلم اثنا عشريّ ولكنيّ لم أعلم لحدّ الآن سبب تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ . ولا أمتلك معلومات عن إمامي السادس جعفر الصادق غير أنّي أعرف أنّه ابن الإمام محمّد الباقر عليه السلام وأبو الإمام الكاظم عليه السلام . وكنتُ أجهل تأريخ حياته تماماً ولم أعلم إلّا مكان ولادته ووفاته . أمّا أقواله وأعماله فلم أعرف عنها شيئاً . وبطريق أولى : لم أعرف سبب تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ . ألم يكن إمامنا الأوّل هو علي بن أبي طالب عليه السلام ؟ فلما ذا لم يعرف مذهبنا بالمذهب العلويّ وعُرف بالمذهب الجعفريّ ! وعندما كنت أدوّن كتاب « إمام حسين وإيران » في حلقات نشرتها مجلة « خواندنيها » ووقفت بإجلال وإكبار أمام عظمة الحسين عليه السلام وخلوص تضحيته ، كنت أسأل نفسي : أليس من المناسب أن يعرف المذهب الشيعيّ بالمذهب الحسينيّ تكريماً لتضحية الإمام الحسين عليه السلام ؟ بعد ذلك وصلت إلى رسالة من إصدار مركز الدراسات الإسلاميّة في استراسبورغ ، وهي تدور حول إمامنا السادس جعفر الصادق عليه السلام .
فطالعتها وتبيّن لي سبب بروز الإمام عليه السلام من بين الأئمّة الاثني عشر حتى وُضع اسمه على المذهب وعُرِف المذهب به . وقد يقول لي القارئ المحترم : إن جهلَكَ الإمام جعفر الصادق نابع من تقصيرك . ولو كنتَ طالعتَ كتاب « بحار الأنوار » للمجلسيّ ، و « وفيّات الأعيان » لابن خلّكان ، و « الوافي » للملّا محسن الفيض ، و « الكافي » للكلينيّ ، و « ناسخ التواريخ » للسان الملك سبهر ، لعرفتَ الإمام السادس للشيعة حقّ معرفته ! وأجيب أنّي طالعتُ بعض الكتب في هذا المجال ، ولاحظت أنّها تحدّث عن كرامات الإمام عليه السلام ومناقبه التي شغلت صفحات كثيرة منها ، بَيدَ أنّها لم تتعرّض إلى سبب تسمية المذهب الشيعيّ بالمذهب الجعفريّ . أمّا الرسالة المذكورة فقد أبانت لي الموضوع وفتحت بصيرتي له . من هنا عزمتُ على تفصيل ما جاء في الرسالة ، وتعريف الشباب الإيرانيّ بالإمام السادس على أساسٍ تاريخيّ جهد المستطاع . لأنّنا إذا استثنينا العلماء فلا أتصوّر أنّ أحداً من الناس العاديّين يعرف كيف أنقذ الإمام الصادق عليه السلام المذهب الشيعيّ من الفناء ، ولولاه لما كان للمذهب الشيعيّ الاثني عشري أو المذهب الإسماعيليّ - في الأقلّ - وجود يُذكَر . ويستلزم منّا عرفان الجميل لذلك الرجل العالم العظيم أن نعرّفه لمن يجهله من الوجهة التأريخيّة والعلميّة والفكريّة .
كان هذا الكلام المترجم المحترم في عنوان الكتاب ، بَيدَ أنّ وجه التسمية الذي ذكرنا آنفاً للمذهب الجعفريّ بلطف الله تعالى وتسديده أسمى من وجه التسمية الذي ذكره وأمثل منه . لقد بيّنّا في هذا الكتاب أنّ الإمام جعفر الصادق عليه السلام أعرض عن الخلافة الظاهريّة بعقل راسخ وتُقى وحزم تامّ . ووقف ثلاثين سنة من عمره معانياً مكابداً من أجل تركيز روح النبوّة وأساس الولاية وأصل الحقيقة التي كانت قد ذابت في التشيّع الذي يمثّل روح النبوّة وأساس القرآن . إنّه - بمدرسته عليه السلام - جدّد روح النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأحيى بدروسه وتعاليمه جهاد مولى المتّقين ونضاله . ونضّر بدأبه وديدنه قطرات الدم التي أريقت من أجداده الطاهرين وجدّه سيّد الشهداء . من هنا كان اسم المذهب الشيعيّ من بدايته إلى نهايته هو « الجعفريّ » . فتأمّل وأفهم يرشدك الله إلى صراطه ومنهاجه . نحن نقدّر كتاب « مغز متفكّر . . . » ونشكر المترجم الكريم على جهوده التي بذلها من وحي رغبته وحبّه . وعلى عكس البعض المنتقد للكتاب ، فإنّا نراه مفيداً ضروريّاً . غاية الأمر أنّنا ينبغي ألّا نتوقّع من علماء مسيحيّين أكثر من هذا . فمرحى بمن أقرّ واعترف بفضائل إمامنا ومناقبه بالمقدار المذكور . وإذا كانوا قد أنكروا علمه اللدنّيّ فالجرم عليهم لا علينا . ونحن نرى أنّ جميع هذه العلوم لدنّيّة ونابعة من الاطّلاع على معدن الحكمة والأسرار الإلهيّة .