تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
والسنان . وحينئذٍ يقف الإمام عليه السلام حياته كلّها على الحروب ، ويُمضي عمره ووقته لقمع المعاندين والمعارضين ، ثمّ لا يُعْلَم في أيّ حرب يُسْتَشْهَدُ . ولا ننسى بعض العلويّين المطالبين بالإمارة ثالثاً ، فإنّهم يرفعون لواء المعارضة ضدّه . وما عليه إلّا أن يقاتلهم أو يُسكتهم بتوليتهم الأمصار ، أو بتفويض القضاء أو صلاة الجمعة والجماعة إليهم ، أو بجعلهم على بيت المال ، وأمثال ذلك مكافأة لسكوتهم . ولا يمكن أن نتصوّر الخيار الثاني لوليّ الله الذي كان يمارس أعماله على أساس الحقّ ، أمّا الخيار الأوّل فإنّه يؤدّي إلى القتل الاعتباطيّ وارتكاب المذابح في غير موضعها ، وإتلاف النفوس في غير المسار الحقيقيّ . ولو تغاضينا عن ذلك كلّه ، فقد كانت للإمام عليه السلام مهمّة إلهيّة خاصّة تتمثّل في إحياء الشريعة المندرسة . وإذا فرضنا أنّه تمكّن من جميع أعدائه ومعارضيه ، وتقلّد الأمر ، فغاية ما يستطيع أن يقوم به هو النظر في الشؤون العامّة ، وفصل الخصومات ورفع المنازعات الشخصيّة ، والإفتاء في الحلال والحرام . أمّا إغاثة الشريعة المندرسة والدين المنقلب فلا تتحقّق أبداً ، إذ ذكرنا أنّ ذلك يحتاج حاجة ماسّة إلى سنين طويلة من التدريس والتربية والتعليم والبحث والنقد والحلّ والإبرام . من هنا ، لا بدّ أن يشمّر عليه السلام عن ساعد الجدّ ويستفرغ همّته لهذا الأمر الخطير ، ويبذل وقته كلّه من أجل ازدهار مدرسة العلم والفهم والبيان والقلم . ولا يُقاس هذا الأمر من حيث الأهمّيّة بأمر الخلافة ، فهو في درجة عالية من الأهمّيّة . وكان الإمام عليه السلام يرى نفسه بين أمرين : إمّا يقبل الخلافة والنظر في شؤون ولاية الناس ، وإمّا يرفض البيعة ويهتمّ بإحياء