تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
الإسلام المدمَّر المندرس . فاختار الثاني لعظمته ، إذ إنّه بمستوى أصل نبوّة الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله ، وإمامة أمير المؤمنين عليه السلام ، واستشهاد سيّد الشهداء عليه السلام ، وهذا الخيار الثاني يُسِرُّ حياة روح النبوّة والولاية وسرّ الشهادة وإن استلزم مشاقَّ مرهقة وأفضى إلى فَقْدِ الحقوق الظاهريّة والإمارة الدنيويّة . لكن هل تعلم أنّ تحمّل هذه المشاقّ يصبّ في مجرى المشاقّ التي عانى منها الرسول الأكرم وأمير المؤمنين ، وأنّ فقد الخلافة والإمارة لا يساوي عنده شروي نقير في مقابل المحافظة على ذلك الأمر العظيم بمنظار الإمام الذي لا يرى إلّا الحقّ والواقع ؟ ! اختار الإمام عليه السلام الشقّ الثاني ، ورفض الخلافة والإمارة من أجل إقرار هذا الأمر الخطير ، واستنكف عن الاقتراب إلى الجهاز الحاكم أيضاً ، وخرج من نطاق الحكومة والإمارة حتى كأنّ هاتين المفردتين لم تَرِدا في قاموسه قطّ ، وكأنّ الله لم يمنحه ذلك المقام فيحقّقه عمليّاً إذا تطلّبت المصلحة . كان له بستان واسع في المدينة لاستقبال الوافدين عليه ، وللتدريس والإجابة عن أسئلة المتقاطرين عليه من شتّى الأنحاء . ووقف أيّامه ولياليه على المسائل والمناقشات والمناظرات العلميّة وجميع فروع الدراسة والبحث العلميّ ليتمكّن من القيام بأعباء المسئوليّة العظيمة المتمثّلة بعرض الدين القويم ، وإرواء الناس السادرين من المنهل الفرات اللذيذ للآيات القرآنيّة والسنّة النبويّة . وهذا المنهل هو المذهب الجعفريّ ، سلام الله على موجده والذاهب إليه . وكان هذا العمل مهمّاً خطيراً ذا جوانب متعدّدة إلى درجة أنّ الإمام عليه السلام قد زاوله على امتداد ثلاثين سنة تامّة إلّا الفترة التي جاء بها إلى العراق . يضاف إلى ذلك أنّ أعماله العلميّة الأخرى التي مارسها في رحلاته خارج المدينة كانت قائمة على هذا الأساس أيضاً .
معرفة الإمام — صفحة 218 | السيد محمد حسين الطهراني