هذا الدليل مهمّ ، لأنّ كلّ عمل يقوم به الإنسان إذا لم ينطلق فيه من تدبّر في عاقبته وتفكير بالمصلحة ، فإنّه يندم ويأسف إذا واجه آثاره السلبيّة . بَيدَ أنّ لا ندم على العمل الصحيح على الرغم من ازدياد المشاكل والمشاقّ على مرّ الأيّام .
ثانياً : كان الإمام عليه السلام يعيش في ذلك العصر وما اتّصف به من خصائص وما لابسه من أوضاع اجتماعيّة وما كانت فيه من إمكانيّات ومتطلّبات ، أمّا الذي نلحظه من ذلك فهو شَبَحٌ لا غير ، فقد كان يرى ، ونحن نسمع . وهو كان في العين والشّهود ، ونحن في الأثر والخبر .
والشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الغَائِبُ .
والحال أشبه بواقف خارج الحلبة وهو ينادي : ابطحه على الأرض !
ثالثاً : كان عليه السلام يدرك جيّداً أنّه لو قبل البيعة فلا يعني ذلك أنّ العالم الإسلاميّ يخضع له ويسلّم ويطيع ، وأنّه كان ينتظر أوامره ردحاً من الزمن ، بل لكان على العكس من ذلك ولخالفه وحاربه أوّلًا حثالات الأمويّين المنبثّين في أرجاء العالَم ، ولضحّوا حتى بآخر قطرة من دمائهم للحؤول دون اعتلاء حكومته .
ثمّ يأتي بعدهم العبّاسيّون ثانياً ، الذين يرون أنفسهم أولاد عمّ النبيّ ووارثيه ، فقد ظهروا بألف دليل ودليل ، وادّعوا وراثة المحراب والمنبر ، والسلاح والسيف ، والعصا والنصل ، والعلم والراية ، كما رأينا وقرأنا في التواريخ والسير ، وشاهدنا في الآثار والأخبار أنّهم تربّعوا على العرش بهذه العناوين خمسمائة سنة ، وأدانوا العلويّين بأباطيلهم وتُرَّهاتهم ، ودعموا بيعتهم وإمارتهم وحكومتهم الغاصبة بأدلّة شاعريّة . وكان شعراؤهم ينشدون القصائد على هذا المنوال .
ولَمَا اكتفوا بإقامة الدليل والبرهان ، بل لأظهروا طغيانهم بالسيف
معرفة الإمام — صفحة 216
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص٢١٦