ولم يكن في المدينة غير الاثني عشر الذين جاءوا إلى المسجد بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله ، وتكلّموا وأدانوا أبا بكر ، « 1 » وقليل من أتباعهم .
لقد جرى هذا الأمر بهذا النحو . وظهر خلال خمس وعشرين سنة من الحكم الأسود المظلم للخلفاء الثلاثة ، أي : خلال ربع قرن . وألِفَ الناس تلك الأحكام والمناهج ومردوا عليها إلى درجة أنّ مولى الموالي الإمام بالحقّ عندما تقلّد الأمر وأراد أن ينسف تلك البدع الباطلة التي اخترعها عمر عجز عن ذلك ، إذ إن عمر كان قد أضفى على أعماله صبغة دينيّة ، وكان الناس يقدّسونه كالسامريّ ، ويعدّون معارضته معارضة للإسلام والنبيّ . ولم يعلم المساكين أنّ هذا المحتال المتلبّس بجلد الذئب قد جاء لاقتناص الحمل ، وقد اتّخذ الدين وسيلة للتربّع على أريكة الخلافة والعرش . وأنّ نداءه الذي عليه مسحة الحقّ هو نداء الشيطان ولا تحمل صحيفة دعوته إلّا عنوان الباطل . ولقد خطب أمير المؤمنين عليه السلام في أوّل خلافته بالكوفة ، وقال كما جاء في خطبة الوسيلة :
) لقد عملت الولاةُ قبلي بأمور عظيمة [ بدع عمر ] خالفوا فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله متعمّدين لذلك ؛ ولو حملتُ الناس على تركها وحوّلتُها إلى مواضعها التي كانت عليها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ، لتفرّق عنّى جُندى حتّى أبقى وحدى ) .
وسارت الأمور على هذا المنوال حتى عصر عثمان ، ثمّ معاوية ويزيد ومروان والمروانيّين بالشام ، حتى وصل الدور إلى العبّاسيّين .
هامش
( 1 ) - تحدّثنا عن هذا الموضوع مفصّلًا في الجزء الثامن من كتابنا هذا ، الدرسان 116 و 117 .