عكس منهج السياسة تماماً . فقوام السياسة إخفاء المكر والخديعة ) . وإذا ظهر للعلويّة والشيعة القصد من مراميه في إجلاله لأبي جعفر عليه السلام لم يحتفلوا بما يصنع ، فلا يثبّطهم عن الوثبة في وجهه .
عاد الجواد عليه السلام إلى المدينة ، وبقي بها مقصداً لأوليائه إلى أن اعتلى المعتصم منصّة الحكم سنة 218 ، فاستدعى الجواد ومعه زوجته امّ الفضل ، وقد علم بانحرافها عن أبي جعفر فأرادها ذريعة لنفوذ تدبيره في أبي جعفر . ولم يكن المعتصم شقيق المأمون في دهائه ولا رضيع لبانه في سياسته . ومن ثمّ انتفضت عليه كثير من البلاد ، وخلعوا ربقة الطاعة ، واستقلّوا بالأمر . فكان لقرب غوره يضيّق على الجواد مرّة ، ويوسّع عليه أخرى ، ويحبسه مرّة ويطلقه تارة .
وكان يجمع له العلماء ليحاججوه زعماً منه أن يجد له زلّة يؤاخذه فيها أو يسقط مقامه بها . وزوّر عليه مرّة كتباً تتضمّن الدعوة لبيعته ، فلا يكون مغبّة ذلك إلّا إعلاء شأن أبي جعفر وإظهار الكرامة والفضل له .
فكان المعتصم لا يزداد لذلك إلّا حنقاً وغيظاً ، ولا يقوى على كتمان ما يسرّه من الحسد والحقد ، فحبسه مرّة . وما أخرجه من السجن حتى دبّر الأمر في قتله . وذلك أن قدّم لزوجته ابنة المأمون سمّاً ، وحملها على أن تدفعه للإمام فأجابته إلى ما أراد .
فمات قتيلًا بسمّ المعتصم . وعندما شاهدت أثر السمّ قد بان في بدن الإمام ، تركته وحيداً في الدار ، حتى قضى نحبه ، واحتشدت الشيعة على الدار واستخرجوا جنازته ، والسيوف على عواتقهم . وقد تعاقدوا على الموت ، لأنّ المعتصم حاول أن يمنعهم عن تشييعه .
وتعرف من مثل هذه الحادثة كثرة الشيعة ذلك اليوم في بغداد ، وقوّتهم على المراس . ومن كثرة الرواة منهم تعرف كثرة العلم فيهم . ومن
معرفة الإمام — صفحة 173
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٧٣