وقد وجد أعداء آل محمّد انحراف المتوكّل عنهم ذريعة للإساءة إلى أبي الحسن عليه السلام ، فسعوا به إلى المتوكّل ، وأخبروه أنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته . فوجّه إليه ليلًا من هجم عليه الدار على غرّة ، فوجدوه في بيت وحده ، وعليه مدرعة من شعر ، وعلى رأسه ملحفة من صوف ولا بساط في البيت إلّا الرمل والحصى متوجّهاً إلى ربّه يترنّم بآيات من القرآن في الوعد والوعيد . فاخذ على ما وُجد وحمل إلى المتوكّل . « 1 »
وما كان ذلك بأوّل سعي ولا أوّل هجوم على داره من المتوكّل .
وكلّما أغراه أولئك النواصب خفّ به بغضه إلى الإجابة لسعيهم ، وإن وجد كذب ما قالوه .
فكان المتوكّل دائباً على ذلك الأذى ، وتلك الإساءة لأبي الحسن من دون رحمة ولا هوادة ، إلى أن قتله ابنه المنتصر انتقاماً لأمير المؤمنين عليه السلام لما شاهده منه ومن الفتح بن خاقان وجلسائه من المسّ بكرامة المرتضى عليه السلام والاستخفاف بحرمته .
وما زال الهاديّ عليه السلام مقيماً في سامرّاء إلى أن مات مسموماً بها بسمّ المعتزّ العبّاسيّ سنة 254 . فكانت مدّة إقامته فيها ثمان عشرة سنة يتجرّع غصص الآلام من بني العبّاس ، من مَلِكٍ لآخر . وكان أكثر أيّامه سجين الدار لا يصل إليه شيعته إلّا اختلاساً على كثرة الشيعة في هذا العهد ، وكثرة احتياجهم إلى رؤية الإمام وأخذ معالم الدين عنه . وكان جلّ استفاداتهم منه بتوسّط رجال معدودين من قوّامه يتردّدون عليه . وربّما قصدوا الشيعة في بلادهم .
هامش
( 1 ) - انظر : « تاريخ أبي الفداء » 47 : 3 ؛ و « مروج الذهب » 265 : 2 .