جلّ شأنه ، كما هو شأن النبوّة . فهذا عيسى كلّم الناس وهو في المهد . وهذا يحيى أخذ الكتاب بقوّة وآتاه الله الحكم ، وهو صبيّ .
إن المأمون لا يجهل ذلك الشأن من الإمام ولا رأي الشيعة فيه .
فاقتضت سياسته أن يرفع مكانة أبي جعفر عليه السلام ويعظّم شأنه ، كما تظاهر قبل هذا مع أبيه أبي الحسن عليه السلام فاستدعاه من المدينة مكرّماً إلى بغداد وأظهر له من العناية ما استفزّ بني العبّاس حتى خافوا أن يعهد إليه كما عهد إلى أبيه من قبل . ولكنّهم جهلوا ما يقصده وراء ذلك الإكرام ، وجهلوا أنّ السياسة ألوان ، وأنّ لكلّ عهدٍ عملًا ولوناً ، فاستمرّوا في ملامته ، واستمرّ في كيده حتى زوّجه بابنته امّ الفضل ، وهي التي قتلته بالسمّ بإشارة من المعتصم ، فكأنّه ادّخرها للجواد لمثل هذا اليوم .
كثر إلحاح بني العبّاس على المأمون على أن يصرفوه عن تزويجه بابنته ، وعن رفع مقامه وهو لا يعبأ بهم ، فقالوا : دَعْهُ حتى يَتَأدَّبَ فَإنَّهُ صَبِيّ ! فأحضر له العلماء والفقهاء ليناظروه ، فيظهر له من الفضل ما يقطع ألسنتهم . فكان من الجواد مع يحيى بن أكثم ما هو مسطور في كتب التأريخ والحديث والفضائل ، وما هو قاطع للحجّة ولذارب الألسنة من بني العبّاس ، وما بلغ أبو جعفر ذلك اليوم العاشرة .
ولا أدري كيف بلغ الجهل ببني العبّاس إلى ذلك الحدّ ، فقد سبق من المأمون مع الرضا عليه السلام ومنهم في لومه ما دلّ على نجاحه في سياسته وكيده ، وخطأهم في تأنيبه . فكيف عادوا إلى تفنيده حين عاد إلى إظهار الإعزاز لأبي جعفر عليه السلام ؟ ! ولا أدري كيف لم ينتبهوا إلى مراميه في أعماله ولها أمثال سابقة ؟ ! وكيف يأملون أن يكشف لهم عن نواياه في فعله ؟ ! والسياسة إن ظهرت للعيان استفزّت من يراد به الكيد ، ونبّهت مشاعره . وإذا أخذ الحيطة لنفسه ، كيف تعمل فيه تلك المكيدة ؟ ! ( هذا على
معرفة الإمام — صفحة 172
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٧٢