إن الإمام الرضا عليه السلام أخبر المأمون بما يكيده بهذه البيعة .
فاغتاظ لذلك المأمون وقال : مَا زِلْتَ تُقَابِلُنِي بِمَا أكْرَهُ !
إن الفطن من أرباب السياسة لا تخفى عليه المكيدة ذلك اليوم ، فكيف بالرضا ؟ ! ولكن ذلك التدبير يجهل مغزاه سواد الناس . وإذا هدأت فورتهم ، فبمن ينهض الزعيم الثائر ؟ !
ولمّا بلغ الخبر العبّاسيّين ببغداد ساءهم فعل المأمون وجهلوا ما يرمي إليه ، فاجتمعوا على خلعه ، والبيعة لعمّه إبراهيم بن المهدي الشهير بالغناء .
وعندما بلغ ما أراده المأمون من الكيد وسمّ الرضا ، كتب إلى بني العبّاس ببغداد : إن الذي أنْكَرْتُمُوهُ مِنْ أمْرِ عَلِيّ بْنِ موسى قَدْ زَالَ وَإن الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ . « 1 »
هامش
( 1 ) - ذكر الطبريّ في « تاريخ الأمم والملوك » ج 8 ، ص 564 إلى 568 ، طبعة دار المعارف ، مصر ؛ وابن الأثير في « الكامل في التأريخ » ج 5 ، ص 191 إلى 193 ، طبعة إدارة الطباعة المنيريّة ؛ وابن كثير في « البداية والنهاية » ج 10 ، ص 248 إلى 250 ، في حوادث سنة 202 و 203 ، أنّ علي بن موسى عليهما السلام أخبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه ، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار ، وأنّ أهل بيته والناس قد نقموا عليه أشياء ؛ وأنّهم يقولون : إنّه مسحور مجنون ، وأنّهم لمّا رأوا ذلك بايعوا لعمّه إبراهيم بن المهدي بالخلافة . فقال المأمون : إنّهم لم يبايعوا له بالخلافة ؛ وإنّما صيّروه أميراً يقوم بأمرهم على ما أخبره به الفضل . فأعلمه أنّ الفضل قد كذبه وغشّه ، وأنّ الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل ، وأنّ الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك ! فقال : ومَن يعلم هذا من أهل عسكري ؟ فقال له : يحيى بن معاذ ، وعبد العزيز بن عمران ، وعدّة من وجوه أهل العسكر ! فقال له : أدخلهم عَليّ حتى اسائلهم عمّا ذكرتَ ! فأدخلهم عليه ؛ وهم يحيى بن معاذ ، وعبد العزيز بن عمران ، وموسى ، وعليّ ابن أبي سعيد - وهو ابن أخت الفضل - وخلف المصريّ . فسألهم عمّا أخبره ، فأبوا أن يخبروه حتّى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل ؛ ألّا يعرض لهم . فضمن ذلك لهم ، وكتب لكلّ رجل منهم كتاباً بخطّه ، ودفعه إليهم . فأخبروه بما فيه الناس من الفتن ، وبيّنوا ذلك له ،