الفرصة - والوقت فرص - للارتواء من مناهل علمه وعرفانه ، فشدّوا الرحال إليه من كلّ حدب وصوب لأخذ أحكام الدين والمعارف عنه .
فَرُوي الحديث عنه في كلّ علم وفنّ ، كما تشهد به كتب الشيعة . ولم تقتصر الرواية عنه على الشيعة فحسب ، بل روت عنه سائر الفرق ، كما تُفصح بذاك كتب الحديث والرجال من الشيعة ومن غيرهم .
وقد أحصى ابن عقدة ، والشيخ الطوسيّ طاب ثراه في كتاب رجاله ، والمحقّق رحمه الله في « المعتبر » ، وغيرهم مَن روى عنه من الشيعة ومن غيرهم ، فكانوا أربعة آلاف . وكان أكثر الأصول الأربعمائة مرويّة عنه .
وهذه الأصول هي الأساس لكتب الحديث الأربعة : « الكافي » لثقة الإسلام الكلينيّ ، « 1 » و « من لا يحضره الفقيه » للشيخ الصدوق ، « 2 » و « التهذيب » ، و « الاستبصار » لشيخ الطائفة الطوسيّ ، « 3 » طيّب الله مرقده .
وصارت الشيعة في غضون هذه الفترة تنشر الحديث ، وتجهر بولاء أهل البيت عليهم السلام . وربا عددهم في مختلف الجهات على مئات الألوف .
ولمّا قامت دعائم السلطان للمنصور ، وعرف كثرة الشيعة في الآفاق ،
هامش
( 1 ) - قُبض محمّد بن يعقوب الكلينيّ عام 328 أو 329 في شعبان عام تناثر النجوم .
وهي سنة وفاة عليّ بن محمّد السَّمُريّ رضي الله عنه الذي انقطعت السفارة بموته ، ووقعت الغيبة الكبرى . وكتابه « الكافي » من أهمّ كتب الشيعة .
( 2 ) - هو محمّد بن عليّ بن بابويه القمّيّ نزيل الري . ورد بغداد عام 355 ، وسمع منه شيوخ الطائفة وهو حدث السنّ ، وله ثلاثمائة مؤلَّف . مات بالري رحمه الله عام 381 .
( 3 ) - هو محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسيّ . ولد في شهر رمضان عام 385 ، وقدم العراق عام 408 ، وانتقل إلى النجف عام 448 ، ومات فيها ليلة الاثنين 22 من المحرّم عام 460 ، ودُفن في داره . وهي اليوم مسجد . وله مؤلّفات كثيرة وكلّها مهمّة جليلة .