هامش
قال : وانظر الحجّاج فأكرمه فإنّه هو الذي وطّأ لكم المنابر ! وهو سيفُك يا وليد ، ويدُك على من ناوأك ! فلا تسمعنّ فيه قولَ أحد ! وأنت إليه أحوج منه إليك ، وادع الناس إذا متُّ إلى البيعة . فمن قال برأسه هكذا ( أي : لا أبايع ! ) فقل بسيفك هكذا ( أي : أفصل رأسك عن بدنك ! ) ولمّا احتضر عبد الملك ، دخل عليه ابنه الوليد ، فتمثّل بهذا :كَمْ عائِدٍ رَجُلًا وَلَيْسَ يَعُودُهُ * إلَّا لِيَعْلَمَ هَلْ يَرَاهُ يَمُوتُ ؟فبكى الوليد . فقال : ما هذا ؟ أتحنّ حنين الأمَة ؟ ! إذا أنا متُّ ، فشمر ، وائتزر ، والبس جلد النمر ! وضع سيفك على عاتقك ! فمن أبدى ذاتَ نفسه لك فاضرب عنقه . ومن سكت مات بدائه . قال السيوطيّ هنا : لو لم يكن من مساوئ عبد الملك إلّا الحجّاج وتوليته إيّاه على المسلمين وعلى الصحابة رضي الله عنهم يُهينهم ويذلّهم قتلًا وضرباً وشتماً وحبساً .
وقد قتل من الصحابة وأكابر التابعين ما لا يُحصى فضلًا عن غيرهم . وختم في عنق أنس وغيره من الصحابة ختماً ، يريد بذلك ذلّهم ، فَلَا رَحِمَهُ اللهُ وَلَا عَفَا عَنْهُ !
ومن شعر عبد الملك :بِعُمْرِي لَقَدْ عُمِرْتُ في الدَّهْرِ بُرْهَةً * وَدَانَتْ لي الدُّنْيَا بِوَقَعِ البَوَاتِر
فَأضْحَى الذي قَدْ كَانَ مِمَّا يَسُرُّنِي * كَلَمْحٍ مَضَى في المُزْمِنَاتِ الغَوَابِرِ
فَيَا لَيْتَنِي لَمْ اعْنَ بِالمُلْكِ سَاعَةً * وَلَمْ ألْهُ في لَذَّاتِ عَيْشٍ نَوَاضِرِ
وَكُنْتُ كَذِي طِمْرَيْنِ عَاشَ بِبُلْغَةٍ * مِنَ الدَّهْرِ حتى زَارَ ضَنْكَ المَقَابِرِوعن الأصمعيّ قال : أربعة لم يلحنوا في جدٍّ ولا هزل : الشعبيّ ، وعبد الملك بن مروان ، والحجّاج بن يوسف ، وابن القرِّيَّة . وقال أبو عبيدة : لمّا أنشد الأخطل كلمته لعبد الملك التي يقول فيها :شُمْسُ العَدَوَاةِ حتى يُسْتَافَدَ لَهُمْ 2 * وَأعْظَمُ النَّاسِ أحْلَاماً إ ذَا قَدَرُوا( أي أنّ عداوته في حدِّ أن يقدِّم روحه وكلّ ما يملك في قبال الثأر ) قال : خذ بيده يا غلام فأخرجه ثمّ ألقِ عليه من الخلع ما يغمره . ثمّ قال : إن لكلّ قومٍ شاعراً ، وشاعر بني اميّة الأخطل . وقال الأصمعيّ : دخل الأخطل على عبد الملك ، فقال : وَيْحَكَ صِفْ لِيَ السُّكْرَ ! قَالَ : أوَّلُهُ لَذَّةٌ ، وَآخِرُهُ صُدَاعٌ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ حَالَةٌ لَا أصِفُ لَكَ مَبْلَغَهَا ، فَقَالَ : مَا مَبْلَغُهَا ؟ فَقَالَ : لَمُلْكُكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ [ عِنْدَهَا ] أهْوَنُ عَلَيّ مِنْ شِسْعِ نَعْلى ! وأنشأ يقول :إ ذَا مَا نَدِيمِي عَلَّنِي ثُمَّ عَلَّنِي * ثَلَاثَ زُجَاجَاتٍ لَهُنَّ هَدِيرُ