أو عراقيّ ، أو تهاميّ . « 1 »
كان الكثير من حكّام الجور في بادي أمرهم من أهل الزهد والعباد
هامش
( 1 ) - « تاريخ الشيعة » للمظفّر ، ص 31 إلى 41 .
من الجدير ذكره أنّ كثيراً من سلاطين الجور وأمرائهم كانوا في درجة الكمال من حيث الزهد والعبادة والعلم بالقرآن والسنّة والفصاحة والبلاغة ، بَيدَ أنّ عدم وصول روح اليقين إلى سويداء قلوبهم جعلهم أسرى الغرور وشهوة الرئاسة ، فتجاهروا بارتكاب المحرّمات الشرعيّة والجرائم والانتهاكات التي لا يمكن حملها إلّا على حبّ الجاه والرئاسة وكان السلاطين الاوَل من هذا الضرب . وكذلك كان عبد الله بن الزبير ، والمأمون العبّاسيّ ، وعبد الملك بن مروان ، والحجّاج بن يوسف الثقفيّ . وكان الحجّاج من نوادر عصره في الفصاحة والبلاغة وإلقاء الخطب الصحيحة الخالية من اللحن . كما كان حافظاً للقرآن . وكان يأمر بقتل الأبرياء على أساس الاستدلال بالآيات القرآنيّة . ووطّد عرش الاستبداد والظلم لعبد الملك بن مروان بالشام مستنداً إلى آية ( أولو الأمر ) . وكان عبد الملك قبل تقلّده الأمر حليف المسجد النبويّ والصوم والصلاة والقرآن والعلم وبيان السنّة حتى عدّه البعض أحد فقهاء المدينة . وبهذه الهيئة الجميلة التي تهواها الأفئدة دخل سلك الحكومة الجائرة .
وبمظهر يتجلّى فيه أنّ الحقّ معه تعسّف على أئمّة الشيعة وظلمهم وعزلهم وسجنهم وقتلهم وهدم دورهم وشرّدهم . وقد سفك دماء المظلومين سفكاً قلّما شهدته السماء ، ورفع كأس الشراب وأغدق العطاء على الشعراء الخمّارين المادحين لبني اميّة بنحو لم يشهد له الدهر على كرور أيّامه مثيلًا .
ذكر السيوطيّ في « تاريخ الخلفاء » ص 214 إلى 222 ، الطبعة الرابعة ، تاريخ عبد الملك . وننقل فيما يأتي موجزاً منه كدليل على ما أوردناه عنه : في عام 73 حيث كان ملكه هدم الحجّاج الكعبة وأعادها على ما هي عليه الآن ، ودسّ على ابن عمر مَن طعنه بحربة مسمومة ، فمرض منها ومات ، وفي سنة 74 سار الحجّاج إلى المدينة ، وأخذ يتعنّت على أهلها ، ويستخّف ببقايا مَن فيها من صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله ، وختم في أعناقهم وأيديهم ، يذلّهم بذلك كأنس بن مالك ، وجابر بن عبد الله ، وسهل بن سعد الساعديّ . فَإنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ . 1 قال ابن سعد في عبد الملك : كان عابداً زاهداً ناسكاً بالمدينة قبل الخلافة . وقال يحيى الغسّانيّ : كان عبد الملك كثيراً ما يجلس إلى امّ الدرداء ، فقالت له مرّة : بَلَغَنِّي يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أنَّكَ شَرِبْتَ الطِّلَاءَ بَعْدَ النُّسْكِ وَالعِبَادَةِ ؟ ! قَالَ : أي وَاللهِ ! وَالدِّمَاءَ قَدْ شَرِبْتُهَا !