هامش
مقتل مصعب ، فبايعه الناس . ثمّ توجّه إلى الكوفة وأحكم قبضته عليها ودخل قصر الإمارة ، وتربّع على العرش ، وكان رأس مصعب قد وضع أمامه ، وهو في غاية الابتهاج .
وبينا هو كذلك إذ قام إليه أحد الحاضرين ويقال له : عبد الملك بن عمير فقال له وهو يرتعد : أصلح الله الأمير ! رأيت من هذا القصر عجباً . فيوماً كنت مع عبيد الله بن زياد واتي برأس الحسين عليه السلام ووضع بين يديه . وآخر كنت مع المختار بعد أن استولى على الكوفة فرأيتُ رأس ابن زياد عنده . ويوماً ثالثاً كنت مع مصعب صاحب هذا الرأس ، فرأيتُ رأس المختار قد وُضع أمامه . وها أنّي معك في هذا المجلس وأرى رأس مصعب بين يديك . فاعيذ الأمير بالله من شرّ هذا المجلس ! ولمّا سمع عبد الملك ذلك أخذته رعدة وأمر بهدم قصر الإمارة . ونظم بعض الشعراء شعراً في هذا الموضوع . وما أجمل ما قال أحدهم :يك سره مردي ز عرب هوشمند * گفت به عبد الملك از روي پند
روي همين مسند واين تكيهگاه * زير همين قبّه واين بارگاه
بودم وديدم برِ ابن زياد * آه چه ديدم كه دو چشمم مباد
تازه سري چون سپر آسمان * طلعت خورشيد ز رويش نهان
بعد ز چندى سر آن خيره سر * بد بر مختار به روي سپر
بعد كه مصعب سر وسردار شد * دستكش أو سر مختار شد
اين سر مصعب به تقاضاي كار * تا چه كند با تو دگر روزگاريقول : « قال عربيّ نابهٌ ذات يوم لعبد الملك بن مروان واعظاً له :
على هذا العرش وهذا المتّكأ وتحت هذه القبّة وفي هذا البلاط .
رأيتُ بِيَدِ ابن زياد شيئاً . آه ما ذا رأيتُ ؟ ليت عينيّ لم تريا !
رأيتُ رأساً متلألئاً كالشمس بل تحتجب الشمس لشدّة نوره .
وبعد مدّة رأيتُ رأس ذلك الصلف بِيَدِ المختار .
وبعد أن تأمّر مصعب رأيتُ رأس المختار بيده .
وها أنّي أرى اليوم رأس مصعب بحكم القصاص ، فما ذا يخبّئ لك الدهر من بعده ؟ »
ولمّا استولى عبد الملك على الكوفة ، وبايعه أهلها ، جعل عليها أخاه بشراً ومعه روح بن زنباع الجذاميّ وعدد آخر من أصحاب الرأي والمشورة من أهل الشام . وأشخص الحجّاج بن يوسف بن عقيل الثقفيّ الفتّاك المتهوّر إلى مكّة لقتل عبد الله بن زبير ، ورجع إلى الشام من بقي من جنده . ووصل الحجّاج إلى الحجاز ومعه عسكره ، ومكث بالطائف شهوراً ، ثمّ دخل مكّة ، وحاصر - كالحصين بن نمير - ابنَ الزبير ونصب المنجنيق على جبل أبي قبيس . ودام الحصار خمسين يوماً ، وعلى قول : أربعة أشهر ، حتى ظفر بعبد الله بن الزبير وقتله بقذف الحجر ثمّ احتزّ رأسه . وبعث به إلى عبد الملك . وصلب جسده منكوساً وقال : أدعه مصلوباً حتى تشفع امّه أسماء ابنة أبي بكر . ونُقِلَ أنّه ظلّ مصلوباً سنة كاملة حتّى عشعش الطير في صدره . ولمّا مرّت به أسماء وقالت : أمَا آنَ لهذا الراكب أن يُنزَلَ من مركوبه ؟ ! فأنزلوه ودفنوه في مقابر اليهود .