ومتى كان يتسنّى لأمثال أبي ذرّ رضي الله عنه أن يذكّر الناس معلناً بولاء المرتضى ويطوف على بيوت المدينة صائحاً :
أدِّبُوا أوْلَادَكُمْ على حُبِّ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ ! وَمَنْ أبى فَانْظُرُوا في شَأنِ امِّهِ !
وعلى منواله ينسج جابر بن عبد الله الأنصاريّ . ومتى كان أبو ذرّ وغيره يطيقون إنكار المنكر والفساد في الأرض ، فكان ذلك منه عاملًا في نفي أبي ذرّ إلى الشام . فدأب في الشام على سيرته ، ولم يثنه الوعد ولا الوعيد عن خطّته ، فكان الصراخة في الشام أثر محمود . وخشي معاوية أن تنقلب عليهم الشام وتذهب أمانيه العِذاب سدى ، إن استمرّ أبو ذرّ على هتافه . فأعاده إلى المدينة على أخشن مركب مجدّين به السير ، وهو شيخ ضعيف القوى ، فتناثر لحم فخذيه .
فلمّا لم يجد عثمان حيلة في سكوته من نفي أو إغراء بالمال أو ترهيب ، نفاه إلى الربذة - داره قبل الإسلام - حتى مات جوعاً . « 1 »
اللهُ أكْبَرُ ! ما يفعل قول الحقّ بالمرء ؟ ! وما يلاقيه من جرّاء الأمر بالمعروف والردع عن المنكر ؟ !
ولا بِدع ، فإنّ من يريد أن لا تأخذه في الله لومة لائم ، وطّن نفسه على احتمال المكاره والتنكيل والتعذيب ، وَذَلِكَ في ذَاتِ اللهِ قَلِيلٌ .
حقّاً إنّه لقليل ، فقد لاقى رسول الله صلّى الله عليه وآله قبله ما هو أنكى وأشدّ ، والحسين عليه السلام بعده ما هو أوجع وأفجع . وهكذا كلّ من أراد إحقاق الحقّ وإبطال الباطل . وما خلّد ذكر أولئك الأبطال إلّا تلك
هامش
( 1 ) - ذكر حال أبي ذرّ وما لاقاه جميع المؤرّخين . وإن شئتَ أن تقف على شيء منه ، فدونك « شرح النهج » لابن أبي الحديد ، ج 2 ، ص 376 !