الأمصار واجتذاب قلوب العامّة بزخارف الدنيا وحطامها ، والتبرّع بالمناصب ، لم يسمحوا لأمير المؤمنين عليه السلام أن يدخل معهم بوصفه أعلم الامّة ، ولم ينضووا تحت لواء آرائه وأفكاره وتوجيهاته في حين كانوا هم المتربّعين على أريكة الحكم . وعندما كانوا يستشيرونه في بعض المواطن القليلة ، فإنّ هذه الاستشارة ليست من منطلق لزوم اتّباع الجاهل للعالم ، بل من منطلق الاسترشاد برأيه في مقام الاستشارة .
ولا يمكن للإمام عليه السلام طبعاً وعقلًا مع سعة علمه ودرايته أن يخضع لفهمهم القاصر ونظرتهم الضيّقة . لهذا لم يجد بدّاً من أن يحمل المسحاة والمعول ، ويزرع ، ويُجري القنوات خمساً وعشرين سنة . هذا وهم يعتبون عليه أنّه لم يذهب إلى الحرب ! ويتساءلون :
لما ذا لم يستعدّ أن نعقد له لواءً للحرب ؟ ولما ذا لم يتوجّه إلى القتال كسائر القادة والامراء أمثال سعد بن أبي وقّاص وخالد بن الوليد ، فيقتل ، ويقمع ، ويفتح ، ويوسّع أرض المسلمين كما في عصر رسول الله ؟ ! ولما ذا لم يرحل معنا في سفرنا إلى الشام ؟ !
افٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَقُولُونَ وَتَتَوَّهَمُونَ وَمَا تَصِيِرُونَ إلَيْهِ وَتَزْعُمُونَ !
كيف يكون العُقاب المحلِّق في السماء خاضعاً لأمر الغراب والحدأة ؟ ! وأنتم الذين كسرتم جناحه ، بَيدَ أنّه ظلّ عقاباً محلِّقاً ، فلا هو بحاجةٍ إلى دنياكم ، ولا هو يطمع في الإمارة عليكم !
هو عقاب ، وهو ليث العلم والحلم والفهم والتمكين . فكيف ينقاد لأوامركم ونواهيكم ؟ ! لهذا ترك أمير المؤمنين عليه وعلى أولاده وأبنائه الطيّبين أفضل السلام والصلاة من الحيّ القيّوم ربّ العالمين الحسّاد وشأنهم ، وأكبّ هو وشيعته على التفسير والتدوين ، وكَتَبَ السنّة النبويّة للُامّة والأجيال القادمة . أمّا أولئك الثمالي بخمرة النزعات والغرور ، فقد
معرفة الإمام — صفحة 124
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٢٤