وقال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقليّ في فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنّما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله صلى الله عليه وآله في مصحف كما جمعوا القرآن ، لأنّ السنن انتشرت وخفي محفوظها من مدخولها ، فوكل أهلها في نقلها إلى حفظهم ، ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك . وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذي أعجز الخلق عن الإتيان بمثله ، فكانوا في الذي جمعوه من القرآن مجتمعين . وفي حروف السُّنن ونقل نظم الكلام نصّاً مختلفين ، فلم يصحّ تدوين ما اختلفوا فيه . « 1 »
وقد ظلّ الأمر في رواية الحديث على ما ذكرنا . تفعل فيه الذاكرة ما تفعل . لا يُكتب ولا يدوّن طوال عهد الصحابة وصدراً كبيراً من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين - على ما قالوا - في آخر عهد التابعين . « 2 »
قال الهرويّ : « 3 » لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث ، إنّما كانوا يؤدّونها لفظاً ، ويأخذونها حفظاً ، إلّا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء ، حتى خيف عليه الدروس وأسرع في العلماء الموت ، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزميّ « 4 » فيما كتب
هامش
( 1 ) - « شرح شروط الأئمّة الخمسة » للحازميّ ، ص 48 و 49 .
( 2 ) - آخر عصر التابعين هو حدود الخمسين ومائة . والحدّ الفاصل بين المتقدّم والمتأخّر هو رأس سنة 300 ه - .
( 3 ) - « إرشاد الساري » شرح القسطلانيّ ، ج 1 ، ص 7 ؛ شرح الزرقانيّ على « الموطّأ » ج 1 ، ص 10 .
( 4 ) - أبو بكر بن محمّد الأنصاريّ . لجدّه صحبةٌ وهو تابعيّ فقيه . استعمله عمر بن عبد العزيز على إمرة المدينة وقضائها . قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم . مات سنة 120 ه - .