كيف يمكن أن نتصوّر أنّ رسول الله يمنع بنته من شعر حاميه ومعينه وناصره الوحيد في مكّة في حين أنّه عندما ذكر شعر أبي طالب سُرَّ سروراً بالغاً حتى ضحك من شدّة السرور والفرح ؟
شعر أبي طالب في مدح رسول الله صلى الله عليه وآله
ذكر عليّ بن عيسى الإربليّ في باب معجزات رسول الله أنّ من معجزاته نزول المطر بدعائه صلى الله عليه وآله ، وذلك حين شكا إليه أهل المدينة فدعا الله ، فمطروا حتى أشفقوا من خراب دورها فسألوه في كشفه ، فقال : اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا . فَاسْتَدَارَ حتى صَارَ كَالإكْلِيلِ والشَّمْسُ طَالِعَةٌ في المَدِينَةِ ، والمَطَرُ يَجِيءُ عَلَى مَا حَوْلَهَا يرى ذَلِكَ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ .
فضحك صلى الله عليه وآله وقال : لِلَّهِ دَرُّ أبِي طَالِبٍ لَوْ كَانَ حَيَّاً قَرَّتْ عَيْنَاهُ . فقام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام وقال : يا رسول الله ! كأنّك تريد قوله :
وَأبْيَضَ يُسْتَسْقَي الغَمَامَ بِوَجْهِهِ * ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ للأرَامِلِ
يَطُوفُ بِهِ الهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ * فَهُمْ عِنْدَهُ في نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ « 1 »
وأخرج البخاريّ في صحيحه عن عبد الله بن عمر قال : ربّمأ ذكرتُ قول أبي طالب وأنا أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله على المنبر يستسقى . فما ينزل حتى يجيش كلّ ميزاب :
وَأبْيَضَ يُسْتَسْقَى الغَمَامَ « 2 » بِوَجْهِهِ * ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرَامِلِ « 3 »
هامش
( 1 ) - « كشف الغمّة » ص 9 ، الطبعة الحجريّة .
( 2 ) - قال في « جامع الشواهد » : الغمام منصوب بنزع الخافض . يعني : من الغَمام - انتهى . فيكون قوله : « بوجهه » نائب فاعل للفعل المجهول : يُسْتَسْقَى .
( 3 ) - « شرح شواهد المغني » لجلال الدين السيوطيّ ، ج 1 ، ص 398 . علماً أنّ ابن هشام صاحب كتاب « مغني اللبيب » ذكر هذا البيت في مُغنيه ، الباب الأوّل ، حرف ( رُبَّ ) وقال : قوله : « وأبيض » مجرور برُبّ المحذوفة ، أي ، وربّ أبيض ، وربّ هنا للتقليل . وعلى هذا النهج ذكر « جامع الشواهد » هذا البيت مع البيتين الآخرين . أمّا السيوطيّ فقد قال في « شرح شواهد المغني » : « أبيض » منصوب بالعطف على قوله : « سيّداً » لا مجروراً بواو رُبّ ( والواو واو العطف لا واو رُبّ ) . وممّن نبّه على ذلك الدمامينيّ ثمّ ابن حجر في « شرح البخاريّ » انتهى . أقول : يتمّ هذا الكلام إذا كان « سيّداً » في البيت السابق للبيت الذي فيه قوله : « وأبيض » وأمّا على فرض بعديّته ، فلا يتمّ كما يستبين ذلك من كلام السيوطيّ .