ومن هذا وأمثاله يمكن أن نعرف أنّ مسلماً المسكين ينطق أحياناً بطرفٍ من الحقّ ، ولا يعرض عن مثل هذه الأحاديث إعراضاً تامّاً كالبخاريّ . ولهذا السبب لا يبلغ كتابه كتابَ البخاريّ رُتبةً عند المتعصّبين من أهل السنّة ، « 1 » كما أنّ عناده دون عناد ابن الجوزيّ . « 2 »
بحث في مفاد حديث الثقلين والمعنى اللغويّ للثقلين
وبعد أن بان لنا ثبوت هذا الحديث المبارك كالشمس في رائعة النهار ، ندخل الآن في متنه :
إنَّمَا أنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أنْ يَأتِي رَسُولُ رَبِّي فَاجِيبَ ( أو ألفاظ تماثلها ) : إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ : كِتَابَ اللهِ - حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاء إلى الأرض - وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي . ( أو بألفاظ تماثلها ) .
ويستفاد من قوله : إنّي تارك فيكم أو إنّي مخلّف فيكم ، أو إنّي لاحقٌ بربّي ، وأجيب رسول ربّي . وقد خلّفت فيكم ، أنّ القرآن والعترة بمنزلة نفسه المقدّسة من حيث الأهمّيّة . وعلى الامّة أن تنظر إليهما نظرة تكريم
هامش
( 1 ) - « العبقات » ج 2 ، ص 933 .
( 2 ) - يقول ابن حجر الهيتميّ في « الصواعق المحرقة » ص 148 ، طبعة مكتبة القاهرة - دار الطباعة المحمّديّة ، وقد روى حديث الثقلين عن الترمذيّ ، وأحمد بن حنبل مستوعباً ثلثي الصفحة المتقدّمة على الصفحة المذكورة : وذكر ابن الجوزيّ لذلك في « العلل المتناهية » وهم أو غفلة عن استحضار بقيّة طرقه ، بل في « [ صحيح ] مسلم » عن زيد بن أرقم أنّه صلى الله عليه [ وآله ] قال ذلك يوم غدير خُمّ - وهو ماء بالجحفة - ثمّ روى حديث زيد وقال : وفي رواية صحيحة : إنّي تاركٌ فيكم أمرين لن تضلّوا إن اتّبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي وعترتي . وزاد الطبرانيّ : إنِّي سألتُ ذلك لهما ، فلا تقدّموهما فتهلكوا ، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ، ولا تعلّموهم فإنّهم أعلم منكم . وقال بعد ذلك : وفي رواية كتاب الله وسُنَّتي . وهي المراد من الأحاديث المقتصرة على الكتاب ، لأنّ السنّة مبيّنة له فأغنى ذكره عن ذكرها . والحاصل أنّ الحثّ وقع على التمسّك بالكتاب وبالسنّة وبالعلماء بهما من أهل البيت . ويستفاد من مجموع ذلك بقاء الأمور الثلاثة إلى قيام الساعة .