تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
وبكاء ابن عبّاس وجزعه من أكبر الأدلّة على ما نقوله . والإنصاف أنّ هذه الرزيّة من أعظم الرزايا التي حلّت بالنبيّ والإسلام والشرف والإنسانيّة ، وهي ممّا يضيق عنها نطاق العذر عن عمر دفاعاً عن ساحته . وقولهم : خاف عمر من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب لكونه صلى الله عليه وآله في حال المرض ، فيصير سبباً للفتنة ، اعتباط ومحال ، مع وجود قوله صلى الله عليه وآله : لا تضلّوا ، لأنّه نصّ بأنّ ذلك الكتاب سبب للأمن عليهم من الضلال ، فكيف يمكن أن يكون سبباً للفتنة بقدح المنافقين ؟ وإذا كان عمر خائفاً من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب ، فلما ذا بذر لهم بذرة القدح ، حيث عارض ومانع وقال : هَجَرَ رَسُولُ اللهِ . وأمّا قولهم في تفسير قوله : حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ أنّه تعالى قال : « ما فرّطنا في الكتاب من شيء » وقال : « اليوم أكملتُ لكم دينكم » فغير صحيح ، لأنّ الآيتين لا تفيدان الأمن من الضلال ، ولا تضمنان الهداية للناس . فكيف يجوز ترك السعي في ذلك الكتاب اعتماداً عليهما ؟ ولو كان وجود القرآن العزيز موجباً للأمن من الضلال ، لما وقع في هذه الامّة من الضلال والتفرّق ما لا يُرجَى زواله . ولم يكن مراد رسول الله من الكتاب كتابة الأحكام ، حتى يقال في جوابه : حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ . ولو فرض أنّ مراده كان كتابة الأحكام ، فلعلّ النصّ عليها منه كان سبباً للأمن من الضلال ، فلا وجه لترك السعي في ذلك النصّ اكتفاءً بالقرآن . ولو فرضنا أنّه لم يكن لذلك الكتاب أثر إلّا الأمن من الضلال بمجرّده ، لما صحّ تركه والإعراض عنه أيضاً اعتماداً على أنّ كتاب الله جامع لكلّ شيء . وهذا كلام لا يُعقَل .