كانوا يردّون كلام النبيّ في بعض تلك الأوامر ، ولا سيّما عمر ، فإنّه كان يعلم من نفسه أنّه موفّق للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من الله تعالى . وقد أراد التخفيف عن النبيّ إشفاقاً عليه من التعب الذي يلحقه بسبب إملاء الكتاب في حال المرض والوجع ، وقد رأى أنّ ترك إحضار الدواة والبياض أولى .
وربّما خشي أن يكتب النبيّ صلى الله عليه وآله اموراً يعجز الناس فيستحقّون العقوبة بسبب ذلك ، لأنّها تكون منصوصة لا سبيل إلى الاجتهاد فيها .
ولعلّه خاف من المنافقين أن يقدحوا في صحّة ذلك الكتاب لكونه في حال المرض فيصير سبباً للفتنة ، فقال : حَسبُنَا كِتَابُ اللهِ لقوله تعالى : مَّا فَرَّطْنَا في الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ . « 1 » وقوله : الْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي . « 2 » وكأنّ عمر أمِنَ من ضلال الامّة حيث أكمل الله لها الدين وأتمّ عليها النعمة ، لذا قال : حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ .
وهذا الجواب لا يصحّ أيضاً ، لأنّ قول رسول الله صلى الله عليه وآله : لَا تَضِلُّوا يفيد أنّ الأمر أمر عزيمة وإيجاب لا أمر مشورة . لأنّ السعي فيما يوجب الأمن من الضلال واجب مع القدرة عليه بلا ارتياب . واستياء النبيّ صلى الله عليه وآله منهم وقوله لهم : قوموا ، حين لم يمتثلوا أمره دليل آخر على أنّ أمره إنّما كان للإيجاب لا للمشورة .
ومضافاً إلى ذلك فإنّهم قالوا : إنّ عمر كان موفّقاً للصواب في إدراك المصالح ، وكان صاحب إلهام من الله تعالى . وهذا ممّا لا يُصغي إليه في
هامش
( 1 ) - الآية 38 ، من السورة 6 : الأنعام .
( 2 ) - الآية 3 ، من السورة 5 : المائدة .