تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
مقامنا هذا ، لأنّه يرمي إلى أنّ الصواب في هذه الواقعة إنّما كان في جانبه لا في جانب النبيّ صلى الله عليه وآله ، وأنّ إلهام عمر يومئذٍ كان أصدق من الوحي الذي نطق عنه الصادق الأمين صلى الله عليه وآله . وإذا قال أحد هنا لردّ الأمر الإيجابيّ : لو كان الإتيان بالدواة والكتاب واجباً ، وكانت الكتابة واجبة على النبيّ ، ما تركها بمجرّد مخالفتهم ، كما أنّه لم يترك التبليغ بسبب مخالفة الكافرين . وجوابه : لو تمّ هذا الكلام ، فإنّما يفيد كون كتابة ذلك الكتاب غير واجبة على النبيّ صلى الله عليه وآله . وهذا لا يُنافي وجوب الإتيان بالدواة والكتف عليهم حين أمرهم النبيّ به ، وبيّن لهم أنّ فائدته الأمن من الضلال ودوام الهداية لهم . إذ الأصل في الأمر إنّما هو الوجوب على المأمور ، لا على الأمر ، ولا سيّما إذا كانت فائدته إلى المأمور خاصّة ، والوجوب عليهم هو محلّ الكلام ، لا الوجوب عليه . على أنّه يمكن أن يكون واجباً على النبيّ أيضاً ، ثمّ سقط الوجوب عنه بعدم امتثالهم ، وقولهم : هَجَرَ ، حيث لم يبق لذلك الكتاب أثر سوى الفتنة والفساد . الثالث : إنّ عمر لم يفهم من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله أنّ ذلك الكتاب سيكون سبباً لحفظ كلّ فرد من أفراد الامّة من الضلال ، بحيث لا يضلّ بعده منهم أحد أصلًا ، وإنّما فهم من قوله : لا تضلّوا ، أنّكم لا تجتمعون على الضلال بقضّكم وقضيضكم ، وكان يعلم أنّ اجتماعهم على الضلال ممّا لا يكون أبداً ، وبسبب ذلك لم يجد أثراً لكتابته . وظنّ أنّ مراد النبيّ ليس إلّا زيادة الاحتياط في الأمر ، لما جُبِل عليه من وفور الرحمة . فعارضه تلك المعارضة بناءً منه على أنّ الأمر ليس للإيجاب . وهذا الجواب غير سديد أيضاً ، لأنّ قوله : لا تضلّوا يفيد أنّ الأمر للإيجاب ، واستياءه منهم دليل على أنّهم تركوا أمراً من الواجبات عليهم .