بل تدلّ القرائن المشهودة على أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعلم بتآمرهم على حكومة عليّ عليه السلام ، لذلك أنفذ جيش اسامة . وكان قد أدرك جيّداً الخطط المدبّرة من خلال الأخبار المبثوثة داخل بيته من قبل حزب النساء المعارضات ، وكذلك من خلال الأخبار التي تناهت إلى سمعه من خارج البيت ودارت حول تأخير جيش اسامة وتخلّف أبي بكر ، وعمر عن اللحاق به ، فلهذا طلب الدواة والكتف في مثل هذا الظرف على أساس تلك الشواهد والمشهودات .
ولم يجتمع عمر وشر ذمته في ذلك المجلس صدفة وبغتة ، بل كانوا يجتمعون مراراً في مجالس سابقة ويخطّطون لغصب ولاية المسلمين وإمارتهم . وكان اجتماعه الأخير مع زمرته وأترابه مخطَّطاً له من قبل . وكيف يمكن أن نتصوّر أنّ حضور عمر مع جميع أعوانه - الذين كان عددهم من الكثرة بحيث أوجدوا جبهتين في مجلس الرسول الأكرم وصاحوا وقالوا : حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ ، وبلغ الذمر أنّهم تميّزوا عن الصحابة المؤمنين المطيعين الذين كانوا في حجرة نبيّهم ، وزاد لَغَطُهم حتى غلبوهم - كان صدفة ، وقد تحقّق بصورة تلقائيّة اعتياديّة ! كيف يتسنّى لنا تصوّر ذلك في مجلس زعيم الحاضرين ومتكلّمهم فيه عمر الذي حاكاه رفقاؤه في كلامه فاعترضوا على كلام رسول الله ؟ « 1 »
هامش
( 1 ) - يُستشفّ من أخبار العامّة وأحاديثهم أنّ لعمر صحابة وأتباع وعصابة كما كان لرسول الله صحابة وأتباع . روى العلّامة شرف الدين في « النصّ والاجتهاد » ص 177 ، الطبعة الثانية ، عن « سنن أبي داود » المثبّتة في هامش شرح الزرقانيّ على موطّأ مالك ، وكذلك في ص 103 من الجزء الثاني لشرح الزرقانيّ الموجود في هامش الصفحة ، في باب حجّ التمتّع وكراهة عمر التمتّع بالنساء وسط العمرة إلى الحجّ ، قال : وَهذا ما كَرِهَهُ عُمَر وبعضُ أتباعِهِ فقال قائلهم : أنَنطلقُ وذكورنا تقطر ؟ من جهة أخرى ، لمّا سأل أبو موسى الأشعريّ عمر عن هذه المسألة - وفقاً لرواية الإمام أحمد في ص 50 من الجزء الأوّل لمسنده من حديث عمر - قال له عمر مجيباً : قد علمتُ أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قد فعله هو وأصحابه ولكن كرهت أن يضلّوا بها معرّسين في الأراك ثمّ يروحون بالحجّ تقطر رؤوسهم ! ونجد هنا بكلّ وضوح أنّ عمر وأصحابه في جانب ، ورسول الله وصحابته في جانب آخر . فافهم وتأمّل واغتنم .