وهم الذين تقدّموا عليهم وأصبحوا روّاد القافلة . والمؤمنون يزحفون ويراوحون في جحر الوحدة والغربة . وإنّ التربية التي يربّي بها أولئك الضالّون الناسَ ، تربية نابعة من نفوسهم الخبيثة التي تسوق إلى الضلال والضياع ، وتقتل الاستعداد كالماء العفن الأجاج الذي تسقي به المزارع ، فتفسد ثمارها . أيّها الناس ! نحن آل محمّد الذي نزل فينا القرآن ! ونحن الذين صفا علمنا فلا كدر ولا غشّ فيه ، وهو من معدن النور والتجرّد والعرفان ! وإن اتّبعتم هذا العلم . فعملكم صحيح ويبلغ بكم ما ترومون . وإن لم تتّبعوه ، فعملكم باطل ، وتحركّكم في الطريق المعاكس ، وستنأون عن المقصود يوماً بعد يوم . وستخطون في الاتّجاه المضادّ لنهج السعادة . وهيهات أن تشمّوا رائحة الوجدان والإنصاف والحقيقة والعبوديّة والإيثار والعرفان والتوحيد .
أيّها الناس ! من تعلّم العلم من غيرنا فهو كمن دخل بيتاً من جداره أو سطحه من غير بابه ويعدّ هكذا إنسان سارقاً لا طالباً للعلم ، فيلقى عليه القبض ويودع السجن لتقطع يده . وسوف لن يجني ممّا في الدار أبداً .
قال ابن أبي الحديد « 1 » في شرح هذه الخطبة : والخزنة والأبواب ،
هامش
( 1 ) قال المحدّث القمّيّ في « الكنى والألقاب » ج 1 ، ص 185 طبعة صيدا ، في ترجمته : عزّ الدين عبد الحميد بن محمّد بن محمّد بن الحسين بن أبي الحديد المدائنيّ الفاضل الأديب المؤرّخ الحكيم الشاعر ، شارح « نهج البلاغة » ، وصاحب « القصائد السبع » المشهورة . كان مذهبه الاعتزال ، كما شهد لنفسه في إحدى قصائده في مدح أمير المؤمنين عليه السلام بقوله :وَرَأيْتُ دِينَ الاعْتِزَالِ وَإنّنِي * أهْوَى لأجْلِكَ كُلَّ مَنْ يَتَشيَّعُكان مولده [ بالمدائن ] غرّة ذي الحجّة سنة 586 . وتوفّى ببغداد سنة 655 . يروي آية الله العلّامة الحلّيّ عن أبيه عنه . ويرى صاحب « ريحانة الأدب » في كتابه هذا ، ج 7 ، ص 332 إلى 335 أنّه كان شافعيّ المذهب ، معتزليّ الأصول ، وأحد الموالين لأهل بيت العصمة والطهارة . ويعدّ شرحه ل « نهج البلاغة » من أرقى الشروح . ولمّا فرغ منه ، أهداه إلى مكتبة الوزير النابه الواعي ابن العلقميّ بواسطة أخيه موفّق الدين أحمد ، فكرّمه الوزير المذكور المحبّ للعلم والمنغمس في الدين ووصله بفرس وخلعة فاخرة ومائة ألف دينار ( ذهب مسكوك ثماني عشرة حبّة ) .