القرآن ؛ ثمّ قال :
إن قلت : فهذا يشبه النهي عن تتبّع معاني القرآن والبحث عن مشكلاته . قلتُ : لم يذهب إلى ذلك ، ولكنّ القوم كانت أكبر همّتهم عاكفة على العمل ، وكان التشاغل بشيء من العلم لا يعمل به تكلّفاً عندهم .
فأراد أنّ الآية مسوقة في الامتنان على الإنسان بمطعمه واستدعاء شكره ؛ وقد عُلم من فحوى الآية أنّ الأبّ بعض ما أنبته الله للإنسان متاعاً له أو لأنعامه ( الإبل والبقر والغنم ) .
[ يقول عمر إذَن ] : فعليك بما هو أهمّ من النهوض بالشكر للّه على ما تبيّن لك ولم يشكل ممّا عدّد من نعمه ! ولا تتشاغل عنه بطلب معنى الأبّ ومعرفة النبات الخاصّ الذي هو اسم له ! واكتفِ بالمعرفة الإجماليّة إلى أن يتبيّن لك في غير هذا الوقت . ثمّ وصّى الناس بأن يجروا على هذا السنن فيما أشبه ذلك من مشكلات القرآن . « 1 »
ولا يصّح هذا الجواب أيضاً ، لأنّه على الرغم من أنّه لم ينف جهل الشيخين معنى الأبّ ، فلم يُعْلَم كيف يكون السؤال عن معنى ظاهر وبسيط للفظ من ألفاظ القرآن تكلّفاً ؟ ! أليس للناس بما فيهم العرب أن يسألوا عن معناه الظاهر وألفاظه ، وهو الذي جاء للتدبّر والتأمّل والتفكّر ؟
وسنناقش فيما بعد إن شاء الله وبحوله وقوّته سبب منع الشيخين نقل الأحاديث النبويّة ، وخاصّة نهى عمر الشديد المقرون بالعقوبة والتعذيب عن البحث في الآيات القرآنيّة ، ومعرفة شأن نزولها ، والتأمّل والتفكّر فيها ، وكذلك نهيه عن تدوين الحديث . وسنبيّن أنّه لم يهدف إلّا إلى ترك الأذهان فجّة غير ناضجة ، وإبقائها غريبة عن الولاية والآيات الواردة بشأن
هامش
( 1 ) تفسير « الكشّاف » ج 2 ، ص 525 ، الطبعة الأولي .