وهل هذا الاستدلال إلّا المصادرة بالمطلوب ؟ ولا أحد من أهل السنّة والعامّة يستطيع أن يتّخذ من فهم هذين الشخصين دليلًا ، وذلك بسبب عملهما ، إذ كان تجاوزاً وتعدّياً بكلّ صراحة .
وكشف الغزّالى في كتاب « سرّ العالمين » عن هذه الحقيقة ، وقال بصراحة ، استجاب عمر لحديث الولاية : مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ . وقال مسلماً وراضياً بإمامة وولاية أمير المؤمنين عليه السلام : بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا أبَا الحَسَنِ ! لَقَدْ أصْبَحْتَ مَوْلَايَ وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ . فَهذا تسليم ورضى وتحكيم [ بإمارة عليّ ] ، ثمّ بعد هذا غلب الهوى لحبّ الرئاسة ، وحمل عمود الخلافة ، وعقود البنود ، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات ، واشتباك ازدحام الخيول ، وفتح الأمصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأوّل فنبذوه وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمناً قليلًا فبئس ما يشترون .
وقال رسول الله قبل وفاته : إيتوني بدواة وبياض لأزيل عنكم إشكال الأمر ، وأذكر لكم من المستحقّ لها بعدي .
قال عمر : دعوا الرجل فإنّه ليهجر ! وقيل : يهذو لغلبة الوجع عليه ! « 1 »
هامش
( 1 ) « سرّ العالمين » ص 21 ، طبعة النجف ، مطبعة النعمان ، سنة 1385 . وقد أثبتنا في ج 8 ، من كتابنا هذا « معرفة الإمام » الدرس 118 إلى 120 في ص 248 و 249 أنّ الكتاب المذكور للغزالي . وعلى هذا لا يُلْتَفَت إلى تشكيك العالم المحترم السيّد جعفر مرتضى العاملي في نسبة هذا الكتاب إلى الغزّالى في مجلّة « تراثنا » ، العدد 2 ، السنة الأولى ، خريف 1406 ه ، ص 97 و 98 لأنّ عدم اجتماع الغزّالى والمعرّيّ في الحياة دليل على تصرّف في هذا الخصوص لا في أصل الكتاب وجميع أبوابه . ولعلّ أبا حامد كتب في النسخة : ابن حامد سهواً ، والكتب التي ذكرها ، نسبهما الغزّالى إليه في ذلك الكتاب ، بينما هي ليست له . وما لم يثبت انتساب هذه الكتب نفسها بما تحويه من مطالب وموضوعات إلى مصنّف آخر ، فليس لنا أن لا نعتبرها للغزّالى ، إذ من الممكن أن تكون من الكتب التي صنّفها ، وفقدت بعد وفاته ، وكم لها من نظير .