ومضافاً إلى إجماع أهل اللغة على أنّ الأبطح ليس عَلَمَاً خاصّاً لمكّة ، بل هو اسم جنس ، ويطلق أيضاً على أبطح المدينة وهو ذو الحُلَيْفَة ، فإنّ شواهد كثيرة وردت في أشعار بلغاء العرب وفصحائهم ، وكذلك في عبارات الأحاديث ، وهي تدلّ على هذا المعنى . منها بيتان منسوبان إلى أمير المؤمنين عليه السلام يخاطب فيهما الوَليد بن المُغيرة :
يُهَدِّدُني بِالعَظِيمِ الوَليدْ * فَقُلْتُ : أنَا ابْنُ أبي طَالِبِ
أنَا ابْنُ المُبَجَّلِ بِالأبْطَحَيْن * وَبِالبَيْتِ مِنْ سَلَفي غَالِبِ
وقال المَيْبُدِيّ في شرح هذين البيتين : المراد من الأبْطَحين في كلام الإمام : أبطح مكَّة ، وأبطح المَدِينَة . « 1 »
وروى البخاريّ ، ومُسْلم عن عبد الله بن عمر أنّه قال : إنّ رَسُولَ اللهِ أنَاخَ بِالبَطْحَاء بِذي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا . « 2 »
وجاء في حديث الغدير أيضاً عن طريق حُذَيفة بن اسَيد ، وعامر بن ليلى أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله لما رجع من حجّة الوَدَاع ولم يحجّ غيرها من المدينة جاء وبلغ الجُحْفَة ، ونهى في البطحاء أن تتقارب المنازل تحت تلك الأشجار ، ثمّ خطب هناك . « 3 »
وقال السيّد الحميريّ في قصيدته العينيّة التي أنشدها في وصف كوثر أمير المؤمنين يوم القيامة :
بَطْحَاؤُهُ مِسْكٌ وَحَافَاتُهُ * يَهْتَزُّ مِنْهَا مُونِقٌ مُونِعُ « 4 »
هامش
( 1 ) « شرح ديوان المَيْبُديّ » .
( 2 ) « صحيح البخاريّ » ج 1 ، ص 181 ؛ و « صحيح مسلم » ج 1 ، ص 382 .
( 3 ) « سُنَن الترمذيّ » ج 2 ، ص 298 ، عن سلمة بن كهيل ، عن أبي الطُّفَيل ، عن حُذَيفة أبي سريحة .
( 4 ) ذكرنا قصيدة السيّد الحِمْيَريّ مفصّلًا في الجزء التاسع من كتابنا « معادشناسى » ( / معرفة المعاد ) من دورة العلوم والمعارف الإسلاميّة ، في المجلس السادس والستّين ، وبحثنا فيها بحثاً تامّاً بحول الله وقوّته .