ومن هنا نقف على مدى العناء الذي كان يعيشه الأئمّة الطاهرين عليهم السلام لإرجاع الأوضاع إلى ما كانت عليه في عصر رسول الله ، ونقف كذلك على المشاكل التي كانوا يواجهونها ، على تضحياتهم الجسيمة بالأموال والأرواح وكلّ الأشياء في سبيل ذلك .
نقل الطبريّ في تأريخه رسالة مُحَمَّد بن عبد الله المَحْض صاحب النفس الزكيّة إلى المنصور الدوانيقيّ ، إلى أن قال : قال محمّد : وَإنَّ أبَانَا عَلِيَّاً كَانَ الوَصِيّ وَكَانَ الإمَامَ فَكَيْفَ وَرِثْتُمْ وَلَايَتَهُ وَوُلْدُهُ أحْيَاءٌ ؟ !
هذه الرسالة مفصّلة . وكتب أبو جعفر المنصور رسالة مفصّلة جدّاً في جوابه ، جاء في بعضها : وَلَقَدْ طَلَبَهَا أبُوكَ لِكُلِّ وَجْهٍ ، فَأخْرَجَهَا نَهَارَاً وَمَرَّضَهَا سِرّاً وَدَفَنَهَا لَيْلًا فَأبَى النَّاسُ إلَّا الشَّيْخَيْنِ وَتَفْضِيلَهُمَا . « 1 »
ونقل ابن خلدون رسالة المنصور الدوانيقيّ باختلاف يسير ، قال فيه : وَلَقَدْ طَلَبَ بِهَا أبُوكَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَأخْرَجَهَا تُخَاصِمُ . . . إلى آخره . « 2 »
أجل ، إنَّ هدفنا من وراء هذا البحث هو أننا نريد أن نقول : إنَّ نهج الشيخين ترك وقعه على الناس إلى درجة أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يستطع طيلة الفترة التي حكم فيها أن يزيله ، وظلّ الناس على هذا النهج في عصر الإمام الحسن عليه السلام . وكلّما تعاقبت الأيّام فإنَّ البدع القديمة كانت تترسّخ أكثر وأكثر ، وكانت تضاف إليها بدع جديدة ، بواسطة الأمويّين الذين كان على رأسهم معاوية بن أبي سفيان الذي كان لا يفكّر إلّا بأنانيّته ، وكان يعدّ العدّة لمحو اسم رسول الله ، وبلغت وقاحته حدّاً أنه قال للمغيرة بن شعبة بصراحة : لا يقرّ قراري ما لم أدفن اسم محمّد حتّى
هامش
( 1 ) - « تاريخ الطبريّ » ج 6 ، ص 196 إلي 198 ، طبعة مطبعة الاستقامة ، سنة 1358 ه - .
( 2 ) - « تاريخ ابن خلدون » ج 4 ، ص 5 .