كان عثمان قد أقطعها ، إلى بيت المال . وخطب في اليوم الثاني من الخلافة عندما بايعه أهل المدينة ، وقال : ألَا كُلُّ قِطْعَةٍ أقْطَعَهَا عُثْمَانُ وَكُلُّ مَالٍ أعْطَاهُ مِنْ مَالِ اللهِ فَهُوَ مَرْدُودٌ في بَيْتِ المَالِ ؛ فَإنَّ الحَقَّ القَدِيمَ لَا يُبْطِلُهُ شَيءٌ . وَاللهِ لَوْ وَجَدْتُهُ قَدْ تَزَوَّجَ بِهِ النِّسَاء وَمُلِكَ بِهِ الإمَاءُ ، لَرَدَدْتُهُ ؛ فَإنَّ في العَدْلِ سَعَةً ، وَمَنْ ضَاقَ عَلَيْهِ العَدْلُ فَالجَوْرُ عَلَيْهِ أضْيَقُ . « 1 » أي : من كان عاجزاً عن تدبير أموره بالعدل ، فهو عن تدبيرها بالجور والعدوان أعجز ، لأنَّ في الجور مظنّة المقاومة والممانعة ، أمّا في العدل ، فلا .
وعلى الرغم من كافّة الإمكانات التي كانت تحت تصرّف أمير المؤمنين عليه السلام خلال المدّة القصيرة من خلافته الظاهريّة التي دامت زهاء خمس سنين ، بَيدَ أنه لم يستطع إماتة البدع كلّها ، وتقويض سنّة الشيخين ، وإقناع الناس ببطلان سنّة أخرى في مقابل كتاب الله وسنّة نبيّه ، لأنَّ الناس قد ألفوا تلك السنن القائمة إلى درجة أنهم كانوا يعتقدون أن تغييرها يعني الإتيان بدين جديد ؛ والإعراض عنها بحكم الإعراض عن مقدّساتهم الدينيّة .
فلهذا كانوا يسعون في المحافظة على تلك السنن والآداب . وكان العامّة يؤلّفون أكثر جند أمير المؤمنين ، وبين الجند أفراد قلائل ممّن تربّي في مدرسة الإمام . وكان أولئك العامّة يدافعون عن أحقّيّة الشيخين وسننهما بكلّ تحمّس . ويقال لهؤلاء : شيعة لوقوفهم إلى جانب الإمام في مقابل من وقف إلى جانب عثمان كمعاوية وبطانته ، والمروانيّين والمناوئين
هامش
( 1 ) - قوله : والله لو وجدته ، حتّي آخر الكلام موجود في « نهج البلاغة » الخطبة 15 . وروي الشيخ محمّد عبده هذه الكلمات كلّها في تعليقته عن الكلبيّ مرفوعاً عن أبي صالح ، عن عبد الله بن عبّاس ، وقال : خطب عليّ عليه السلام وقال كذا .