النبويّة ، فإنَّه يصرّ أنَّ رسول الله لم يعيّن أحداً ، ولم ينصّب عليّ بن أبي طالب ، بل ترك للُامّة اختيارها في نصب الخليفة . فكان لعمر أن يتأسّي بهذه السنّة المزعومة ويترك الامّة حرّة في تعيين خليفتها حتّى تختار أمير المؤمنين عليه السلام ! فلما ذا سلب من الامّة اختيارها ، وعزل أمير المؤمنين عليه السلام من خلال وصيّته بتشكيل مثل هذه الشورى ؟
ومن الواضح - إذَن - أنَّ إقحام أمير المؤمنين عليه السلام في الشورى لم يكن حبّاً له باحتمال تعيينه ، بل كان ذلك لإلزامه وإجباره على الرضوخ لخلافة الشخص المنتخب . وما قصد عمر من قتل المعارض إلّا شخص الإمام نفسه ، لأنَّ المعارضين - في ضوء خطّة عمر - وهم أشخاص آخرون لا يمكن أن يكونوا في الشورى فيقتلوا ؛ وبناءً على هذا ، جعل أمير المؤمنين عليه السلام بين أمرين لا غير : إمَّا التسليم لحكم عبد الرحمن بن عوف ، وإمَّا القتل فيتحقّق الخروج من حلبة الصراع بموته . وكانت هذه الخطّة قد دبّرت ورسمت بشكل عجيب .
حوار معاوية مع زياد بن حصين حول اختلاف المسلمين
أجل ، فإنَّ جميع المفاسد والخلافات قد انبثقت عن هذه الشورى ، وكلّ ما حلّ بالمسلمين من مصائب كان بسببها . ومن الضروريّ أن نشير هنا إلى قصّة دقيقة نقلها ابن عبد ربّه الأندلسيّ في « العقد الفريد » قال : « ذكروا أنَّ زياداً أوفد ابن حصين على معاوية فأقام عنده ما أقام . ثمّ إنَّ معاوية بعث إليه فخلا به فقال له : يا بن حصين قد بلغني أنَّ عندك ذهناً وعقلًا ! فأخبرني عن شيء أسألك عنه ! قال : سلني عمّا بدا لك . قال [ معاوية ] : أخبرني ما الذي شتّت أمر المسلمين وأبلاهم وخالف بينهم ؟ قال : قتل الناس عثمان ! قال : ما صنعتَ شيئاً . قال [ ابن حصين ] : فمسير طلحة والزبير وعائشة وقتال عليّ إيّاهم . قال : ما صنعتَ شيئاً . قال : ما عندي غير هذا . قال [ معاوية ] : فأنا أخبرك به ، إنَّه لم يشتّت بين المسلمين ،