وَلَا قَرَابَتَهُ ، وَلَا عَمَّارَاً وَلَا سَابِقَتَهُ ، وَلَا الزُّبَيْرُ وَلَا صَحَابَتَهُ ، وَلَا طَلْحَةَ وَلَا هِجْرَتَهُ ، وَلَا يَهَابُونَ ابْنَ عَوْفٍ وَلَا مَالَهُ ، وَلَا يَتَّقُونَ سَعْداً وَلَا دَعْوَتَهُ . « 1 »
تفريط عمر بالإسلام من أجل عزّة العرب
نرى هنا أنَّ خطّة عمر قد نفّذت تماماً ، إذ يبرز معاوية عضلاته ويتنمّر ويكشّر عن أنيابه مهدّداً بمائة ألف مقاتل ، ويقف أمام المهاجرين وأتباع الحقّ وإمامهم أمير المؤمنين ، ويهزأ بالمقدّسات الإسلاميّة من قُربى ، وسابقة ، وصحبة ، وهجرة ، ودعوة علناً . ويقول : إنَّ حكومة بني اميّة التي يرأسها في الشام ، والتي نشأت برعاية عمر تدعم عثمان على الرغم من كلّ ما أحدثه ، وهي مستعدّة للمواجهة مهما كلّف الأمر . أجل ، فإنَّ عمر لم يتحمّس من أجل الإسلام والهجرة ، بل كان قلقاً على عِزّة العرب . كان يريد إعزاز العرب وتسويدهم وجعلهم حكّاماً على غيرهم . وكان إبداء رغبته في الإسلام تمهيداً لهذا الهدف . ذلك أنَّ الإسلام هو الذي أعزّ العرب . وكان عمر يعلم أنَّ معاوية هو وحده القادر على توطيد الحكومة العربيّة . وكان مطّلعاً على تفرعنه ونخوته واستكباره وجدّيته في إقرار الحكومة الكسرويّة العربيّة وترسيخ الإمبراطوريّة العربيّة .
نقل ابن حجر العسقلانيّ عن البَغَوِيّ ، عن عمّه ، عن الزبير أنه قال :
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ قَالَ : كَانَ عُمَرُ إذَا نَظَرَ إلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ : هَذَا كِسْرَي العَرَبِ . « 2 » و « 3 »
هامش
( 1 ) - « الإمامة والسياسة » ص 27 .
( 2 ) - « الإصابة » ج 3 ، ص 413 ، حرف الميم .
( 3 ) - قال استاذنا العلّامة آية الله الطباطبائيّ رضوان الله عليه في كتاب « الشيعة » حوار مع البروفيسور هانري كوربن ، في بيان المشكلة الأولى : سقوط الحكومة الإسلاميّة ، ص 27 : . . . مضافاً إلى ذلك ، ففي نطاق حكومته ، كان معاوية يحكم في الشام مدّة طويلة على الطريقة الكسرويّة والقيصريّة . وهي حكومة ذات صبغة استبداديّة لا غير . وذريعة معاوية أنه مضطّر إلى ذلك بسبب مجاورته الإمبراطوريّة الرومانيّة ، وقبل الخليفة عذره ولم يعترضه .
وقال المعلّقون على عبارات العلّامة في ص 324 و 325 : روى ابن أبي الحديد أنَّ عمر عندما ذهب إلى الشام ، لقيه معاوية وعليه ثياب ديباج ، وحوله جماعة من الغلمان ، فدنا منه فقبّل يده . فقال عمر : ما هذا يا بن هند ! وإنّك لعلى هذه الحال مترف صاحب لبوس وتنعّم ؟ ! وقد بلغني أنَّ ذوي الحاجات يقفون ببابك ! فقال معاوية : يا أمير المؤمنين ! نحن نجاور المدن التي يقطنها أعداء الإسلام ( يريد الروم ) ونحبّ أن يُرَى أثر نعمة الله علينا . وأمّا الحجّاب فإنَّا نخاف من البذلة جرأة الرعيّة . فقال عمر : ما سألتك عن شيء إلّا تركتني منه في ضيق ! إن كنت صادقاً ، فإنّه رأي لبيب ، وإلّا فإنّها خدعة أريب !
ونقل ابن حجر في « الإصابة » ج 3 ؛ وابن الأثير في « أسد الغابة » كلمات عن عمر في معاوية ، وذلك عند ترجمة معاوية . منها أنَّ عمر رأي معاوية ذات يوم فقال : « هذا كسرى العرب » . فعمر كان يرى أنَّ حياة معاوية كسرويّة ، وأنه يتصرّف على عكس ما يريده النبيّ الأكرم ، ومع هذا استحسن رأيه ورجّحه على سيرة النبيّ الأكرم ، وسلّط هذا الجاني المنحرف على رقاب الناس ممّا أدّى إلى حرب صفّين وارتكاب جرائم لا تحصى من قبل معاوية ويزيد وملوك بني اميّة وولاتهم الجائرين . ومن رام الاستزادة فلينظر كتاب « النصائح الكافية » للسيّد محمّد بن عقيل .