مَا قَدْ قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ ، وَأنَّ اللهَ لَيْسَ ظَلَّامَاً لِلعَبِيدِ .
ثمّ جلس . فما ظنّك ؟ هل هو كلام أبي جعفر ، أو كلام الشيخ المفيد ؟ لا هذا ولا ذاك ! بل هو كلام أبي ذرّ الصحابيّ المعروف . حتّى لا يقول الخواجة الناصبيّ : لِمَ لَمْ ينكروا ، ولم يقيموا الحجّة ؟ إنَّ الخواجة أعمى وأصمّ .
وقام بعده سلمان الفارسيّ
وقال بعد أن حمد الله تعالى وأثنى على حبيبه المصطفى صلّى الله عليه وآله :
يَا أبَا بَكْرٍ إلَى مَنْ تُسْنِدُ أمْرَكَ إذَا نَزَلَ بِكَ القَضَاءُ ! وَإلَى مَنْ تَنْزَعُ إذَا سُئِلْتَ عَمَّا لَا تَعْلَمُ [ مَا عُذْرُكَ في التَّقَدُّمِ ] وَفي القَوْمِ مَنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْكَ ! وَأقْرَبُ بِرَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَرَابَةً مِنْكَ . قَدَّمَهُ النَّبِيّ في حَيَاتِهِ ، وَأوْعَزَ إلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِهِ ، فَنَبَذْتُمْ قَوْلَهُ ، وَتَنَاسَيْتُمْ وَصِيَّتَهُ ! فَعَمَّا قَلِيلٍ يَصْفُرُ لَكَ الأمْرُ وَقَدْ أثْقَلْتَ ظَهْرَكَ بِالأوْزَارِ ، وَحَمَلْتَ إلَى قَبْرِكَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ، فَإنَّكَ سَمِعْتَ مَا سَمِعْنَا ، وَرَأيْتَ مَا رَأيْنَا - إلى آخره . « 1 »
بعد ذلك قام المقداد بن الأسود الكنديّ ، وقال :
يَا أبَا بَكْرٍ ! إرْبَعْ عَلَى ظَلْعِكَ [ وَقِسْ شِبْرَكَ « 2 » بِفِتْرِكَ ] وَالْزَمْ بَيْتَكَ !
هامش
( 1 ) - بناء على رواية الطبرسيّ في « الاحتجاج » ج 1 ، ص 99 و 100 فإنَّ سلمان لمّا قام للاحتجاج ، قال : فعلتم ولم تفعلوا ! وقد كان امتنع من البيعة قبل ذلك حتّى وُجئ عنقه ، ونحن ذكرنا في الدرس 110 إلى 115 من كتابنا هذا رواية عن سُلَيم بن قيس ، عن أمير المؤمنين عليه السلام حول وجوب الرجوع إلى الأعلم .
( 2 ) - الشِّبْرُ ما بين طرف الإبهام وطرف الخِنْصِر ممتدّين . والفِتْر مَا بين طرف الإبهام وطرف السبّابة إذا فُتحت اليد . ومعنى قوله : قِسْ شِبْرَكَ بِفِتْرِكَ ، انشغل بامورك ! ولا تتجاوز حدّك ! وفسّره المجلسيّ رضوان الله عليه : كما أنَّ فترك لا يمكن أن يكون بقدر شبرك ، فكذا مراتب الرجال مختلفة بحسب القابليّة ، ولا يمكن للأدنى الترقّي إلى درجة الأعلى . ( « بحار الأنوار » ج 8 ، ص 43 طبعة كمباني الحجريّة ) .