والقي علماء الإسلام الكبار في البحر ، ونزعوا العمائم من رؤوسهم ووضعوا بدلها القبّعات الأجنبيّة التي أنزلوها في رؤوسهم بالمسامير ، ومنهم من فارق الحياة إثر التعذيب الوحشيّ في السجون . وكان ذلك كلّه امتداداً للأحداث الدامية المؤسفة التي شهدها عصر صدر الإسلام .
إذ عاش أمير المؤمنين وقتذاك عناءً لم يشهده أحد ، وهو رجل العلم والفضيلة ، والمستوعب للقرآن ، والحافظ لسنّة رسول الله وسيرته ، والعارف بمناهج الحرب والسلم ، وتقسيم بيت المال ، وإقرار العدالة . حمل مسحاته خمس وعشرين سنة ، وانشغل بالزراعة وإجراء القنوات . وقام جلاوزة عثمان بجرّ ابن مسعود على الأرض وإخراجه من المسجد بأمر عثمان ، وكسروا عظامه حتّى فارق الحياة . ورُفس عمّار بن ياسر حتّى ابتلي بالفتق ، ومات أبو ذرّ الغفاريّ غريباً في منفاه القاحل الجديب ، وليس معه أنيس . وقتلوا بنت رسول الله وحبيبته وبضعته وروحه التي بين جنبيه وسرّه وهي بنته الوحيدة التي كان يحبّها . وبذلك غيّروا مجرى التأريخ الإسلاميّ ، وساقوا الامّة الإسلاميّة في طريق غير طريق رسول الله وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام . ولم يبق من العمل بالقرآن إلّا لفظه واسمه ، وأحكموا قبضتهم الاستكباريّة على الامّة ، وتركوا الجميع يئنّون تحت سياطهم القاسية .
وحُكِمَ على الأئمّة الطاهرين سلام الله عليهم أجمعين بالسجن والتعذيب والنفي والقتل عبر تلك الخطّة الجهنّميّة بعزل العلماء عن السياسة التي تبنّاها حكّام الجور ، لأنَّ أولئك كانوا يقولون : تستلزم روح الإمامة والولاية الإلهيّة الحقيقيّة الحكومة على الناس ومسك أمورهم في أفضل طريق الرقيّ والكمال . وكان حكّام الجور يقولون : الولاية المعنويّة لكم ، والحكومة الظاهريّة لنا .
معرفة الإمام — صفحة 136
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٣٦