أجلى مظهر لفصل الشؤون المعنويّة عن الشؤون السياسيّة .
لقد طرح عمر قضيّة فصل الخلافة عن بيت النبوّة المتمثّل ببني هاشم ، وهي لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بلا مراء ، وذلك بذريعة أنَّ قريش لا تخضع لبني هاشم ، وأنَّ بني هاشم لا حقّ لهم بالرئاسة على قريش . ونحن لم نجد أحداً يضرب على هذا الوتر غير أبي بكر وعمر . وقصده من قريش شخصه بالذات ، لأنه من قريش وليس من بني هاشم . ودأب الرجال الذين يخالون أنفسهم كباراً أن يعبّروا عن مطالبهم الشخصيّة باسم الشعب أو الدولة التي يحكمونها ، وإن عارض جميع أفراد الشعب تلك المطالب . ونحن نقرأ أنَّ رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة يقول مثلًا : لا تتنازل واشنطن عن موقفها بسبب التصريح الفلاني . أو تقول إليزابيث ملكة إنجلترا : هذا هو ما تريده لندن ، أو يقول رئيس الاتّحاد السوفيتي [ سابقاً ] : موسكو لها نفس الرأي . ذلك أنَّ هؤلاء المستكبرين يرون أنَّ الدولة كلّها خاضعة لسيطرتهم وذائبة فيهم . وكان أحد حكّام فرنسا يقول : فرنسا يعني أنا .
فصل الدين عن السياسة يتعارض مع ضرورة الإسلام
إنَّ خطّة عزل علماء الدين عن السياسة التي طرحت في البلدان الإسلاميّة ، وكان أشدّ المتحمّسين لتنفيذها مصطفى كمال أتاتورك ، ويتلوه رضا خان بهلوي ، اللذين نفّذاها بأعنف الأساليب ؛ فمسخا صورة بلديهما بإلغاء الإسلام ، وفوّضا شئونهما المختلفة من لباس وقبّعة ، واقتصاد ، وسياسة ، وجيش ، وثقافة وآداب ، إلى الأجانب ، هي خطّة عمر نفسها التي مهّدت له السبيل إلى حكومة المسلمين ، وإقصاء أمير المؤمنين عليه السلام الذي يمثّل أوّل قائد علميّ وميدانيّ عظيم في الإسلام ، وكذلك إقصاء أبنائه ، وأتباعه الأوفياء المخلصين الذين كانوا من أشرف الصحابة وأعزّهم ، أمثال : عمّار بن ياسر ، والمقداد ، وسلمان ، وأبي ذرّ ، وأمثالهم .