أبي بكر ، وتسلّم زمام الأمور . فيستبين - إذَن أنَّ ذلك الهجر المزعوم لم يكن هجراً جدّيّاً يحول دون الإقرار والاعتراف والوصيّة ، بل هو الهجر الذي تقوّله أصحابه لإثارة التشويش والاضطراب في مجلس الرسول الأعظم ، وبالتالي عزوف الرسول القائد صلّى الله عليه وآله عن الكتاب .
ونقرأ في حديث ابن عبّاس مع عمر الذي يدور حول الخلافة أنَّ عمر قال بصراحة : إنَّ قومكم ( قريشاً ) كرهوا أن تكون لكم الخلافة ، فأقصوا عليّاً عنها .
ونقل ابن أبي الحديد وقائع هذا الحوار ، وذكر أنَّ عمر قال لابن عبّاس : يَا بْنَ عَبَّاسٍ ! إنَّ أوَّلَ مَنْ رَيَّثَكُمْ عَنْ هَذَا الأمْرِ أبُو بَكْرٍ ! إنَّ قَوْمَكُمْ كَرِهُوا أنْ يَجْمَعُوا لَكُمُ الخِلافَةَ وَالنُّبُوَّةَ . « 1 »
اعتراف عمر بأحقّيّة أمير المؤمنين عليه السلام للخلافة
وروى ابن أبي الحديد أيضاً بسنده عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال : مَرَّ عُمَرُ بِعَلِيّ وَعِنْدَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِفِنَاءِ دَارِهِ ، فَسَلَّمَ ، فَسَألَاهُ : أيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ : بِيَنْبُعٍ ، « 2 » قَالَ عَلِيّ : أفَلَا نَصِلُ جَنَاحَكَ وَنَقُومُ مَعَكَ ؟ ! فَقَالَ : بَلَى ! فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : قُمْ مَعَهُ . قَالَ : فَشَبَّكَ أصَابِعَهُ في أصَابِعِي وَمَضَى ، حتّى إذَا خَلَّفْنَا البَقِيعَ ، قَالَ : يَا بْنَ عَبَّاسٍ ، أمَا وَاللهِ أنْ كَانَ صَاحِبُكَ هَذَا أوْلَى النَّاسِ بِالأمْرِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ، إلَّا أنا خِفْنَاهُ عَلَى اثْنَتَيْنِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَجَاءَ بِمَنْطِقٍ لَمْ أجِدْ بُدَّاً مَعَهُ مِنْ مَسْألَتِهِ عَنْهُ ، فَقُلْتُ : يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ ! مَا هُمَا ؟ ! قَالَ : خَشِينَاهُ على حَدَاثَةِ سِنِّهِ وَحُبِّهِ بَنِي
هامش
( 1 ) - « شرح نهج البلاغة » ج 2 ، ص 58 ، ضمن الخطبة 26 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة .
( 2 ) - يَنْبُع - بفتح الياء وسكون النون وضمّ الباء الموحّدة وعين مهملة - موضع عامر فيه ماء وشجر وزرع . وهي عن يمين رَضْوَي لمن كان منحدراً من المدينة إلي البحر . على ليلة من رضوي ؛ ومن المدينة على سبع مراحل . ( « معجم البلدان » ) .