المؤمنين ؟ ! فإن كانت حقّاً ، فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ! وإن كانت باطلًا ، فمثلي أماط الباطل عن نفسه .
فقال عمر : بلغني أنك تقول : إنَّما صرفوها عنّا حسداً وظلماً ! فقلتُ : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : ظلماً ، فقد تبيّن للجاهل والحليم ! وأمّا قولك : حسداً ، فإنَّ إبليس حسد آدم ؛ فنحن ولده المحسودون !
فقال عمر : هيهات ، أبت والله قلوبكم يا بني هاشم إلّا حسداً ما يحول ، وضغناً وغشّاً ما يزول ! فقلتُ : مهلًا يا أمير المؤمنين ! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بالحسد والغشّ ! فإنَّ قلب رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم من قلوب بني هاشم !
فقال عمر : إليك عنّي يا بن عبّاس ! فقلتُ : أفعل . فلمّا ذهبت لأقوم ، استحيا منّي ، فقال : يا بن عبّاس ، مكانك ! فوالله إنّي لراعٍ لحقّك ، محبّ لما سرّك !
فقلتُ : يا أمير المؤمنين إنَّ لي عليك حقّاً وعلى كلّ مسلم ! فمن حفظه فحظّه أصاب ، ومن أضاعه فحظّه أخطأ . ثمّ قام عمر فمضى . « 1 »
هامش
( 1 ) - « تاريخ الطبريّ » تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم ، ج 4 ، ص 222 إلي 224 ، طبعة دار المعارف بمصر ؛ وج 3 ، ص 288 إلي 290 طبعة مطبعة الاستقامة بالقاهرة ؛ و « الإيضاح » للفضل بن شاذان ، ص 166 إلي 171 ، رقم 1347 ، طبعة جامعة طهران . ذكر ذلك برواية فقهاء المدينة ، وذكر في آخرها أنَّ ابن عبّاس قال : مَا زِلْتُ أعْرِفُ الغَضَبَ في وَجْهِهِ حَتَّى هَلَك .
ونقل ابن أبي الحديد هذه القصّة في « شرح نهج البلاغة » عند بيان سيرة عمر ، وذلك في الجزء الثالث من طبعة مصر سنة 1329 ه - ، ص 107 برواية عبد الله بن عمر . وذكرها ابن الأثير في ترجمة عمر ، ج 3 ، ص 24 ، أحداث سنة 23 . ونقلها السيوطيّ في ترجمة زهير بن أبي سلمي ضمن « شرح شواهد مغني اللبيب » مع تعليقة الشنقيطيّ ، ج 1 ، ص 132 ، طبعة لجنة التراث العربيّ ، وذلك نقلًا عن « الأغانيّ » عن سعيد بن المسيّب . وقال السيوطي في ص 131 : زهير بن أبي سلمي بضمّ السين . وليس في العرب سُلمى بالضمّ غيره . واسم أبي سُلمى : ربيعة بن رِياح .
ونقل ابن أبي الحديد في آخر هذه القصّة : لمّا قام عبد الله بن عبّاس ومضي ، قال عمر لجلسائه : وَاهاً لِابْنِ عَبَّاسٍ ! مَا رَأيْتُهُ لَا حَي أحَداً قَطُّ إلَّا خَصَمَهُ .