مُحَسَّدُونَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ نِعَمٍ * لَا يَنْزِعُ اللهُ مِنْهُمْ مَا لَهُ حُسِدُوا
ولمّا سمع عمر هذه الأبيات ، قال : أحسن ؛ وما أعلم أحداً أولى بهذا الشعر من هذا الحيّ من بني هاشم ، لفضل رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم وقرابتهم منه .
[ يقول ابن عبّاس ] : فقلتُ : وُفِّقت يا أمير المؤمنين ، ولم تزل موفّقاً ! فقال [ عمر ] : يا بن عبّاس ! أتدري ما منع قومكم منهم بعد محمّد ؟ ! فكرهت أن أجيبه ؛ فلهذا قلتُ : إن لم أكن أدري ، فأمير المؤمنين يدريني !
فَقَالَ عُمَرُ : كَرِهُوا أنْ تَجْمَعُوا لَكُمُ النُّبُوَّةَ وَالخِلافَةَ فَتَبَجَّحُوا على قَوْمِكُمْ بَجَحَاً بَجَحَاً ؛ فَاخْتَارَتْ قُرَيْشٌ لأنْفُسِهَا ؛ فَأصَابَتْ وَوُفِّقَتْ .
[ قال ابن عبّاس ] : فقلتُ : يا أمير المؤمنين ! إن تأذن لي في الكلام ، وتُمِط عنّي الغضب ، تكلّمتُ . فقال عمر : تكلّم يا بن عبّاس ! فقلتُ : أمّا قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لأنفسها فأصابت ووفّقت : فلو أنَّ قريشاً اختارت لأنفسها حيث اختار الله عزّ وجلّ لها ، لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محمود . وأمّا قولك : إنَّ قريشاً كرهت أن تكون لنا النبوّة والخلافة ، فإنَّ الله عزّ وجلّ وصف قوماً بالكراهيّة ، فقال : ذَلِكَ بِأنهُمْ كَرِهُوا مَآ أنزَلَ اللهُ فَأحْبَطَ أعْمَالَهُمْ . « 1 »
فقال عمر : هيهات ! والله يا بن عبّاس قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرّك « 2 » عنها ، فتزيل منزلتك منّي ! فقلتُ : وما هي يا أمير
هامش
( 1 ) - الآية 9 ، من السورة 47 : محمّد ؛ والآية التي قبلها : وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأضَلَّ أعْمَالَهُمْ .
( 2 ) - إذا كانت من باب فَرَّ يَفُرُّ فَرّاً وَفَرَارَاً وَفِرَارَاً وَفُرَارَاً ، كَمَدَّ يَمُدُّ وتعدّت بعن ، فهي بمعني البحث ، ويمكن أن تكون من مادّة فَرَكَ والكاف ليست ضمير المفعول . وفرّك من باب التفعيل للمبالغة . بيد أنَّ ابن الأثير ذكرها بالقاف : اقِرّك . وَأقَرَّ يُقِرُّ إقْرَارَاً من باب الإفعال إذا استعملت مع الباء ، فهي بمعني الإذعان والاعتراف . اقِرّك بها : أكره أن أدفعك إلي الإقرار بها .