خرجت مع عمر في بعض أسفاره ؛ فإنَّا لنسير ليلة ، وقد دنوت منه ، إذ ضرب مقدّم رحله بسوطه ، وقال :
كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللهِ يُقْتَلُ أحْمَدُ * وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُوْنَهُ وَنُنَاضِلُ
وَنُسْلِمُهُ حتّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ * وَنَذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا وَالحَلائِلُ
( هذان البيتان لأبي طالب عليه السلام الوالد الماجد للإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام خاطب بهما كفّار قريش الذين كانوا ينوون قتل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فأنشدهما لرسول الله صلّى الله عليه وآله ) .
ثمّ قال أسْتَغْفِرُ اللهَ ؛ ثمّ سار فلم يتكلّم قليلًا ، ثمّ قال :
وَمَا حَمَلَتْ مِنْ نَاقَةٍ فَوْقَ رَحْلِهَا * أبَرَّ وَأوْفَى ذِمَّةً مِنْ محَمَّدِ
وَأكْسَى لِبُرْدِ الخَالِ « 1 » قَبْلَ ابْتِذَالِهِ * وَأعْطَى لِرَأسِ السَّابِقِ المُتَجَرِّدِ
ثمّ قال : أسْتَغْفِرُ اللهَ ، يا بن عبّاس ! ما منع عليّاً من الخروج معنا ؟ قلت : لا أدري . قال : يا بن عبّاس ! أبوك عمّ رسول الله صلّى الله عليه [ وآله ] وسلّم ، وأنت ابن عمّه ، فما منع قومكم منكم ؟ ! قلتُ : لا أدري . قال : لكنّي أدري ؛ يكرهون ولايتكم لهم . قلتُ : لِمَ ، ونحن لهم كالخير ؟ قال : اللَهُمَّ غَفْراً ، يَكْرَهُونَ أنْ تَجْتَمِعَ فِيكُمُ النُّبُوَّةُ وَالخِلافَةُ فَيَكُونَ بَجَحَاً بَجَحَاً . « 2 »
هامش
( 1 ) - جاء في « معجم البلدان » : الخال أيضاً موضع في شِقِّ اليمن . ولمّا كانت الأبراد اليمانيّة المنسوجة هناك أفضل وأجود من غيرها - على ما يبدو - لهذا جاء بُرد الخال في الشعر .
( 2 ) - نقل ابن أبي الحديد هذه القضيّة كما يلي : روى ابن عبّاس مرفوعاً أنه قال : تفرّق الناس ليلة الجَابِية عَن عمر ؛ فسار كلّ واحدٍ مع إلفه ؛ ثمَّ صادفتُ عمر تلك الليلة في مسيرنا ، فحادثته ؛ فشكى إليّ تخلّف عليّ عنه . فقلتُ : ألم يعتذر إليك ؟ قال : بلي . فقلتُ : هو ما اعتذر به ؟ فقال : يا بن عبّاس ، إنَّ أوّل مَن رَيَّثكم عن هذا الأمر أبو بكر ؛ إنَّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوّة ! قلتُ : لِمَ ذاك يا أمير المؤمنين ؟ ! ألم تنلهم خيراً ؟ قال : بلى ، ولكنّهم لو فعلوا لكنتم عليهم جَحْفَاً جَحْفَاً ( « شرح النهج » ج 2 ، ص 57 و 58 ) .