فَقَالَ عَلِيّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ : وَمَنْ يَطْلُبُ هَذَا الأمْرَ غَيْرُنَا ؟ ! « 1 »
وعلى الرغم من أنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يعلم أنَّ الخلافة والإمارة له لا لغيره ، بيد أنه تنازل عن حقّه المسلّم به إرضاءً للّه وعملًا بوصيّة رسول الله ، وتفادياً لوقوع الفتنة والفساد ، وحفظاً للإسلام الفتى من السقوط والتداعي .
وهذه هي حقيقة التنازل ونكران الذات ، والتضحية والعبوديّة ؛ وهذا هو مفاد الشهامة والشجاعة والمروءة والعظمة والكرامة ؛ وهذا هو معنى الولاية والإشراف والرعاية . وهذه هي حقيقة السعة والإطلاق والتجرّد .
يقول ابن قتيبة : لمّا اخذ عليّ كرّم الله وجهه إلى المسجد للبيعة ، كان يقول :
أنَا عَبْدُ اللهِ وَأخُو رَسُولِهِ . فَقِيلَ لَهُ : بَايِعْ أبَا بَكْرٍ ! فَقَالَ : أنَا أحَقُّ بِهَذَا الأمْرِ مِنْكُمْ ! لَا ابَايِعُكُمْ وَأنْتُمْ أوْلَى لي ! أخَذْتُمْ هَذَا الأمْرَ مِنَ الأنْصَارِ ؛ وَاحْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالقَرَابَةِ مِنَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ [ وَآلِهِ ] وَسَلَّمَ وَتَأخُذُونَهُ مِنَّا أهْلَ البَيْتِ غَصْبَاً .
ألَسْتُمْ زَعَمْتُمْ لِلأنْصَارِ أنكُمْ أوْلَى بِهَذَا الأمْرِ مَنْهُمْ ، لِمَا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنْكُمْ ؛ فَأعْطُوكُمُ المَقَادَةَ ، وَسَلَّمُوا إلَيْكُمُ الإمَارَةَ ؟ وَأنَا أحْتَجُّ عَلَيْكُمْ بِمِثْلِ مَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ عَلَى الأنْصَارِ . نَحْنُ أوْلَى بِرَسُولِ اللهِ حَيَّاً وَمَيِّتَاً ؛ فَأنْصِفُونَا إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ ؛ وَإلَّا فَبُوءُوا بِالظُّلْمِ وَأنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
فَقَالَ عُمَرُ : إنَّكَ لَسْتَ مَتْرُوكَاً حتّى تُبَايِعَ ! فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : احْلُبْ حَلْبَاً لَكَ شَطْرُهُ ! وَاشْدُدْ لَهُ ألْيَومَ أمْرَهُ يَرْدُدْهُ عَلَيْكَ غَدَاً . ثُمَّ قَالَ : وَاللهِ يَا عُمَرُ !
هامش
( 1 ) - « الإمامة والسياسة » ص 6 ؛ و « شرح نهج البلاغة » لابن أبي الحديد ، ج 1 ، ص 160 و 161 ، طبعة دار إحياء الكتب العربيّة .