وهل يمكن الحرص على هداية الناس بدون اتّباعهم أحداً ؟ وهل الإطاعة والاقتداء متيسّران بدون رئاسة ولزوم المتابعة ؟ ومن هذا المنطلق ، كان المشركون والكافرون يؤذون النبيّ ويتهكّمون به ويتّهمونه . ذلك أنَّ النبوّة تستلزم الرئاسة . فكانوا يرون أنَّ رئاسة النبيّ تهدّد مناصبهم وتنغّص عليهم حياتهم . فلهذا كانوا ينكرون نبوّته حفظاً لرئاستهم التي تتعارض مع رئاسة النبيّ ، وإطاحةً برئاسة النبيّ نفسه .
أمّا النبيّ الرحيم فقد كان دائم الحرص على إخراج هؤلاء المساكين من ربقة أفكارهم الجاهليّة ، وآدابهم وعاداتهم البهيميّة . لم يكن له ليل ونهار ؛ ولم يسترح لحظة واحدة ، كان يتضوّر جوعاً وعطشاً ، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه . وكان دائماً موجوداً في ميادين القتال وأقرب المسلمين إلى العدوّ . وهاجر إلى الطائف لشدّة العنف والأذى والعذاب الذي لاقاه بمكّة . ولم يستقبلوه هناك ، فقفل راجعاً إلى مكّة خائباً حيث لم يؤويه أحد فيها ، إذ كانوا كلّهم أعداءه ، ومصمّمون بأجمعهم على قتله وسفك دمه ؛ فاضطرّ إلى الاحتماء بأحد المشركين . وقضي في شعب أبي طالب ثلاث سنين سجيناً معذّباً ومعه بنو هاشم وبعض المسلمين ، حيث حرّموا عليهم الطعام ، وحظروا الزواج والتعامل معهم . وكان صراخ جوع الأطفال يصل إلى مكّة ليلًا والمشركون يسمعون إلى أن اضطرّ للهجرة هارباً من مكّة . ومكث في غار ثور ثلاثة أيّام كي لا يتمكّن المشركون أن يتقصّوا طريقه . ووحده أمير المؤمنين رجل الساحة الذي سار على هديه في الحرص على إيمان الناس ، وقدّم نفسه بكلّ إخلاص قرباناً للّه ، ورقد في فراش النبيّ مطمئنّاً .
ومن الواضح أنَّ هذه المشاكل كلّها ، وهذه المعاناة والمقاسات كانت دعوة إلى الرئاسة ، أي : وجوب طاعة الناس طاعة مطلقة لُاولئك
معرفة الإمام — صفحة 102
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٠٢