ويدفع قول القائلين بأنهم كانوا يخشون ويخافون من الناس . فقد قال : سبحانه :
مَّا كَانَ على النَّبِيّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلَّا اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا . « 1 »
فلا بدّ أن نعلم أنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسائر الأنبياء عليهم السلام في ضوء هاتين الآيتين لا يعرفون الخوف والفزع في مقابل المسئوليّة الإلهيّة وتنفيذ الأوامر الصادرة من الذات الأحديّة . فمقام النبوّة والاتّصال بعالم الغيب ، والانس بالموجودات المجرّدة ، والأنوار البسيطة والعقول الكاملة ، والملائكة المقرّبين ، والذات والصفات والأسماء الإلهيّة لا يدع لهم مجالًا للشغف والولع بالجسد المادّيّ والقالب الطبعيّ والطبيعيّ .
ولهذه الآية ظهور يتجسّد في أنّ النبيّ لا يعرف الخوف والحرج تكوينيّاً ؛ وكذلك سنّة الله في الأنبياء الذين خلوا ، فإنّهم أيضاً لم يعرفوا الحرج والخوف تكوينيّاً . وما يستدعيه مقام النبوّة هو الشجاعة ورباطة الجأش بحيث إنّ حبّ وجاذبيّة الله اجتذبتهم إلى درجة أن غرقوا وانمحوا حيث لا يرون إلّا جمال الله وجلاله ، ولا يرون لكائن آخر أصالة فيخافون منه ؛ وفي ظلّ هذه الأجواء لا يعرفون جسداً وقالباً وسوءاً وضرراً وقتلًا وفتكاً وغير هذه الأشياء ، ولا يكترثون بها ؛ وليس عندهم إلّا الله وكفى وَيَخْشَوْنَهُ ولَا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلَّا اللهَ فحَسب . قد غشيتهم خشيته ، وأحاطت بهم حتّى جعلتهم لا يبالون بأحد ولا يخشونه مهما كان .
وقد حذّر الله المؤمنين وحظر عليهم الخوف من الشيطان وأوليائه ،
هامش
( 1 ) - الآيتان 38 و 39 ، من السورة 33 : الأحزاب .