والآية اللاحقة هي : قُلْ يَا أهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ على شَيْءٍ حتّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ وَمَآ انزِلَ إلَيْكُم مِّنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ما انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأسَ على الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . ( الآية 68 ) .
فالآية التي هي مدار بحثنا ( آية التبليغ ) تتوسّط الآيتين ؛ وهذا ما يستدعي العجب ؛ ذلك لأننا لا نلاحظ أيّ صلة بينها وبين ما سبقها ولحقها من آيات ، ومنها هاتان الآيتان ؛ ولا يمكن القول حقّاً : إنّ آية التبليغ تبليغ بشأن أهل الكتاب . ولذلك جاءت في تضاعيف الآيات التي تحدّثت عن أهل الكتاب .
ذلك أننا أوّلا : نلاحظ أنّ الآيتين اللتين تتحدّثان عن أهل الكتاب لا تحملان أكثر من تعاليم عامّة ودعوات كلّيّة ، فأنى تكون هناك حاجة إلى آية التبليغ لتتوسّطهما بلهجتها الشديدة الحادّة ؟ !
ثانياً : نزلت سورة المائدة في المدينة في آخر حياة الرسول الأعظم ، وكان الإسلام حينئذٍ قد بلغ ذروته عزّةً وشوكةً ؛ وكان الكفّار والمشركون واليهود والنصارى في الحضيض مخذولين منكوبين بائسين . ولا سطوة لهم حتّى تكون هناك حاجة إلى تبليغ حكم من الأحكام يخشى رسول الله من تبليغه ، فيعده الله بالعصمة والوقاية .
ونجد إبّان هجرة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله إلى المدينة ، أنّ أهل الكتاب لا سيّما اليهود قد بدت منهم العداوة والبغضاء ، وأنهم آزروا كفّار قريش في الحروب ؛ وتحالفوا معهم ؛ وشكّلوا الأحزاب ؛ فظهرت قضيّة بني قُرَيْظَة ، وبني النَّضير ، وبني القَيْنقَاع ، وبالتالي يهود خَيْبَر وفَدَك . وقد خُذل هؤلاء أجمع ولم تقم لهم قائمة . يضاف إلى ذلك ، أنّ الآية لا تضمّ أمراً شديداً وحكماً حادّاً يرتبط باليهود . علماً أنّ تعاليم قد وردت في مواضع عديدة من القرآن الكريم ، قد كانت أشدّ وأمرّ وأثقل على
معرفة الإمام — صفحة 112
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١١٢