فقال جلّ من قائل : إنمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أوْلِيَآءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ . « 1 »
وقد أثنى الله على المؤمنين الذين أخافهم الناس فلم يخافوا ، فقال جلّ شأنه : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . « 2 »
وكذلك فليس من الصواب أن نقول : إنّ النبيّ كان يخاف القتل ، فيبطل بالنتيجة مفعول الدعوة إلى الله ؛ ويذهب عطاء النبوّة سدي ؛ فعلى هذا كان يرجئ القيام بمهمّة ما انزِلَ ؛ لكي لا تترتب هذه المفسدة على ذلك ؛ وقد خاطبه الله تعالى بقوله : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيءٌ . « 3 » لأنّ الله تعالى غير عاجز أن يحيى الإسلام والدعوة إلى التوحيد عند مقتل نبيّه صلّى الله عليه وآله بسبب آخر ووسيلة أخرى غير نبيّه الكريم .
أجل ، فالمعنى الصحيح لخوف رسول الله ، الذي يمكن استنباطه من قوله : وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ هو فقط أنّ النبيّ كان يخاف من تبليغ الأمر أن يتّهموه تهمة يذهب معها أثر الدعوة هباءً منثوراً ، ولا تعوّض جهوده المحمودة المباركة في الدعوة والتبليغ . كأن يقولوا مثلًا : هذه ليست نبوّة ، بل هي حكومة دنيويّة ورئاسة مادّيّة وتحكّم وتسلّط على الناس في زيّ النبوّة والرسالة الظاهريّة . إنّه أمر سقيم أجوف ، ودليله أنه لمّا شعر بدنوّ أجله ، صمّم على أن يورث أعقابه الرئاسة كما يفعل سلاطين العالم وحكّامه . ولمّا لم يكن له ابن يرثه ، فقد نصب صهره خليفة له .
هامش
( 1 ) - الآية 175 ، من السورة 3 ، آل عمران .
( 2 ) - الآية 173 ، من السورة 3 : آل عمران .
( 3 ) - الآية 128 ، من السورة 3 : آل عمران .