تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 113

مساهمون:

ص١١٣
اليهود ؛ ومع ذلك فإنّ أسلوب الخطاب الموجّه للنبيّ لم يكن كأسلوب آية التبليغ . من جهة أخرى فإنّ النبيّ العظيم صلّى الله عليه وآله وسلّم قد كُلّف بمهامّ أشدّ وأثقل كتبليغ التوحيد ، وإلغاء عبادة الأصنام وقطع دابرها من الوسط الذي يعيش فيه كفّار قريش ومشركو العرب . وكان هؤلاء أكثر حرصاً من اليهود على إراقة الدماء ، وأشدّ منهم فظاظةً وغلظة . ومع ذلك نلحظ أنّ الله جلّ شأنه لم يهدّد نبيّه في تبليغهم كما هدّده في هذه الآية موضع البحث ، ولم يضمن له العصمة في ذلك التبليغ كما ضمن له فيها . والآيات المتعلّقة بأهل الكتاب في هذه السورة تؤلّف أغلب آياتها ؛ ومن المؤكّد أنّ آية التبليغ قد نزلت في هذه السورة ، في وقت كانت صولة اليهود مندحرة ، وقد شملهم الغضب الإلهيّ وعمّهم ، إذ كانوا كُلَّمَا أوْ قَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأهَا اللهُ ، فما جدوى أن تنزل آية التبليغ بهذه الخصوصيّة فيهم وفي النصارى ؟ فلقد كانوا حينئذٍ في قبضة الإسلام محتمين في كنفه . علماً أننا نرى أنّ يهود نجران ونصاراها - وكانوا أكثر تعصّباً من غيرهم - قد انصاعوا لدفع الجزية آنذاك ؛ فما هو المعنى من التهديد الإلهيّ - إذَن - في ظلّ تلك الظروف التي كان الإسلام ماسكاً فيها بناصية الأمور ، وأعنّتها بيده ؟ وعلى هذا فما ذكره الفخر الرازيّ ، ومَن تبعه مِن بعض المفسّرين الآخرين من العامّة كمحمّد عَبْدهُ في تفسير « المنار » « 1 » من أنّ الآية تتعلّق بأهل الكتاب كما يفيده سياق الآيات مجرّدٌ عن التحقيق وعارٍ من المحتوى الصحيح ؛ والسبب - مضافاً إلى ما ذكر - هو أنّ إقحام آية في سياق آيات اخر لا يقبل المعارضة مع الدليل القطعيّ ، والروايات والأخبار المأثورة عن
هامش
( 1 ) - تفسير « مفاتيح الغيب » ج 3 ، ص 636 ؛ و « تفسير المنار » ج 6 ، ص 467 .