يُخاف من عامّتهم ؛ والجملة التعليليّة : إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ تشعر بهذه النكتة .
ثالثاً : ليس المراد بالكافرين هنا المشركين أو اليهود والنصارى ، بل الكفر هنا بمعناه العامّ المتمثّل بإخفاء الحقّ والتعتيم عليه . كما جاء في الآية 97 من السورة 3 : آل عمران : وَمَنْ كَفَرَ فَإنَّ اللهَ غَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ . إذ تدلّ على هذا الضرب من ضروب الكفر بالمعنى العامّ والمطلق ؛ وكما سنلاحظ أنّ المراد من الكفر ليس الاستكبار وإنكار أصل الدين الذي يتحقّق بالامتناع عن أداء الشهادتين ؛ ذلك لأنّ الكفر بهذا المعنى لا ينسجم مع مورد الآية ، إلّا أن نقول بأنّ المراد من قوله : ما انزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هو مجموعة الأحكام والتعاليم الدينيّة ، وهو مجانب للصواب كما سنقف عليه .
رابعاً : المراد من عدم هداية الله ، هو عدم هدايتهم في كيدهم ومكرهم ؛ بحيث إنّهم لا يظفرون ببلوغ أهدافهم من خلال التشبّث بالأسباب الدنيويّة الجارية ؛ ولا تتحقّق آمالهم في الشرّ والفساد ، كما جاء في الآية 6 ، من السورة 63 : المنافقون : إنَّ اللهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ .
وأمّا القول بأنّ المراد من عدم الهداية ، هو عدم هدايتهم إلى الإيمان ، فهو غير صحيح ؛ لأنه يتنافى مع أصل الدعوة النبويّة وتبليغها ؛ إذ لا معنى أن يقول الله : يا نبيّنا ! ادع الكافرين إلى الإسلام وحكم الله ؛ وأنا لا أهديهم ؛ ولا أدلّهم على سبيل الإيمان إلّا عند إلقاء الحجّة !
يضاف إلى ذلك أننا نرى رأي العين أنّ الله لا يزال يهدي الكافرين ؛ فيدخلون في الإسلام فوجاً فوجاً ، وقد وعد سبحانه بهدايتهم ، فقال عزّ من قائل : وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . ( الآية 213 ، من السورة 2 : البقرة ) .
فاستبان لنا ممّا تقدّم أنّ المراد من عدم هداية الكافرين هو أنّ الله
معرفة الإمام — صفحة 109
مساهمون: السيد محمد حسين الطهراني
ص١٠٩